الصورة غير متاحة

د. حامد أنور

 

في يوم 30 أبريل عام 1833 وصل إلى أرض الإسكندرية 4 أشخاص قادمين من فرنسا كانوا ملتحين، ويرتدون ملابس تشبه ملابس بابا نويل إلى حدٍّ بعيدٍ.. قبعات حمراء وبنطلونات حمراء وسترة سوداء مغطاة بصديري أحمر، كانوا محلَّ غمزٍ ولمزٍ من الصيَّادين والبحَّارة المصريين، ولم يكن يعلم هؤلاء البسطاء أن هؤلاء الأربعة سيكونون أسَّ البلاء على مصر.

 

لقد كان هؤلاء الأربعة أعضاء في فرقة ماسونية تهدف إلى السيطرة على العالم، وما إن وصلوا الإسكندرية حتى التقوا بالأوروبيين هناك، وشرحوا مخططاتهم، وذهبوا إلى قصر التين كي يقابلوا محمد علي (والي مصر).

 

كانت تلك الجماعة تهدف كما تقول إلى "أن دورنا هو أن نقيم بين مصر العتيقة ويهوذا (أرض فلسطين) أحد الطريقين الجديدين المؤديين من أوروبا إلى الهند والصين، وفيما بعد سنشقُّ الطريق الآخر في بنما، هكذا سوف نضع قدمًا فوق النيل والأخرى في القدس، وسوف تمتدُّ يدُنا اليمنى إلى مكة وتغطِّي ذراعُنا اليسرى روما، ويستند إلى باريس.. إن السويس هي مركز حياتنا العملية، سنقوم هناك بإنجاز العمل الذي ينتظره العالم ليعترف بأننا رجال" (روبير سوليه في كتابه: (مصر.. ولع فرنسي)- ترجمة لطيف فرج، وهو صادر عن مكتبة الأسرة).

 

إنهم جماعة السان سيمونيون الماسونية، والتي- كما يقول المؤلف- هي الحملة الفرنسية الثقافية الثانية على مصر، ويندرج محمد علي في حلمهم تمامًا، لقد أصاب نابليون مصر بسيفه التمديني، ويتابع محمد علي العمل العسكري مع صبغِه بطابع صناعيٍّ.

 

فهذه الجماعة ترى أن الأمور في مصر سوف تسير كما يحلو لهم وكما يريدون هم؛ لأنه كما يقول المؤلف في صفحة 103 لن تعرقل المعارك السياسية العمل الاقتصادي، فكل شيء يتركز بين يدي رجل واحد هو الوالي، الذي لا يعاني من ضغط الرأي العام، وهو الأمر الذي يصيب البلدان الديمقراطية بالعجز.

 

إن طريقة عمل الماسونيين تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ طريقةَ عمل الفيروس؛ فالفيروس عندما يدخل إلى الخلية الحية يترك كلَّ مكوناتها، ويتجه مباشرةً نحو النواة؛ مركز الحكم، يسيطر عليها، ثم يأمرها بأن تقوم بإنتاج الحمض النووي الخاص به فتتحوَّل الخلية كلها إلى مصنع تحت تصرُّف هذا الفيروس اللعين، ولعل القرآن يشير إلى ذلك في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيْهَا فَفَسَقُوا فِيْهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيْرًا﴾ (الإسراء: 16)؛ فالسمكة تفسد من رأسها.

 

المهم.. استطاعت تلك الجماعة أن تنفِّذ كلَّ مشروعاتها في مصر، والتي ينتمي الضابط سيف- بثلاث نقاط فوق الفاء- إليها، والذي زعم أنه أسلم وسمَّى نفسه سليمان باشا الفرنساوي؛ حيث شاركهم، كما يقول المؤلف، حفلاً فرنسيًّا بذكرى نابليون عام 1834 ولم يمنعه إسلامه أن يشرب الشمبانيا بغزارة، بل إن الملكة نازلي والدة الملك فاروق هي حفيدة هذا الضابط الماسوني!.

 

ويذكر المؤلف اسم كل مشروع وصاحبه الماسوني: تورنو السكك الحديدية, ديشارم الجسور والكباري, لامي نفق شبرا, أوليفيه الري, لوفيفر التنقيب عن المعادن, جافاري وجونديه صناعات كيميائية، روجيه الذي انشأ النواة الأولى للموسيقى العسكرية (الكتاب صفحة 107)!!.

 

بل هنالك الأدهى والأمرُّ؛ فجماعة الإخوان المسلمين لا تعلم أن مرشدها الأول الشيخ حسن البنا قد قُتِلَ- تقبَّله الله في الشهداء- بسبب آرائه التي رأتها تلك الجماعات الماسونية خطرًا عليها؛ يقول المؤلف في صفحة 299: إن الفرنسيين في مصر قد أزعجهم بشدة شيخٌ يسمَّى "حسن البنا" يهاجم الإنجاز الذي يفخرون به؛ حيث يقول: إن قناة السويس هي السبب في جميع الويلات التي حلَّت بشعبنا، وفي فقده لمعنوياته وخضوعه للمستعمرين وإهماله واجباته الدينية، وإن القناة تشطر فتوحات الرسول وعائقًا يبرِّر استيلاء الأجانب على أرضنا- كما يقول المؤلف- من السهل علينا إغلاقها، فلن يفعل أي أخ سوى إفراغ كيس رمل في الطريق المائي الذي حفره أجدادنا بأيديهم ولم ينفذ تهديده، فقد عاجله البوليس السياسي وقتله.

 

بل إن محاكمات الإخوان عام 1954- والتي كان الأستاذ محمد مهدي عاكف أحد أبطالها- يرى المؤلف أنها تمَّت بإيعاز من صحفيِّين فرنسيين وصلا القاهرة بعد الثورة بشهور قليلة، هما: جان وسيمون لاكوتور، فيقول في صفحة 305 إنهما التقيا عبد الناصر في غرفة مكتب متواضعة بقصر صغير على ضفة النيل؛ فقام على التوِّ بحلِّ جماعة الإخوان المسلمين، وقال: "بعد 18 شهرًا من الوجود في السلطة ما زلت أتساءل: كيف يمكن الحكم بالقرآن؟!"، والتقى بعد ذلك بالصحفيَّين نفسَيْهما في نوفمبر 1955، وصرَّح بأنه يعترف بحق إسرائيل في الوجود!!.

 

لقد آن الوقت لمصر وفرنسا أن يفترقا، لقد آن لمصر التي سلَخَها بونابرت عن العالم الإسلامي والتي يزورها الآن ساركوزي ويذهب إلى شرم الشيخ- في نفس توقيت زيارة بونابرت لها عام 1798 ليلة أعياد الميلاد، برفقة العديد من الجنرالات وثلاثمائة جندي وماري لوبير كبير مهندسي الطرق والكباري، وزيارة ديلسبس لها في نفس التوقيت عام 1855- آن لها أن تعود إلى حضن العالم الإسلامي.. آن لها أن تعود كما كانت قلب العالم الإسلامي.. لقد آن الوقت لمصر أن تعود كما كانت.. أرض الكنانة.

---------

d.hamedanwar@yahoo.com