كتب الشاعر الكبير فاروق جويدة في جريدة (الأهرام) بتاريخ 21 ديسمبر 2007 تحت عنوان "الإخوة الأعداء" ويقصد بالإخوة الأعداء الإخوان المسلمين والحزب الوطني، محاولاً الربط بينهما وقياس أحدهما على الآخر، رغم التناقض الواضح في كل شيء، في النشأة، في الهدف، في الرسالة، في المنهج والسلوك..

 

فيقول الأستاذ فاروق جويدة: "أول ما يجمع بينهما أنهما أصبحا الآن الفكرَ الوحيدَ السائدَ؛ فإما أن تجد نفسك على جانب الوطني أو تجد نفسك مع الإخوان ولا شيء بينهما".

 

وأقول له: ليس الإخوان والحزب هما الموجودَيْن فقط؛ ففي الحياة السياسية المصرية أحزابٌ ليبراليةٌ، مثل: الوفد- الغد- حزب الجبهة، هناك أحزاب يسارية مثل: الناصري- التجمع- الكرامة، وهناك كيانات شعبية وأفكار يسارية خارج إطار الأحزاب، مثل: الاشتراكيين الثوريين- الحزب الشيوعي المصري- حزب الشعب، وهناك مستقلون لا ينتمون إلى أيٍّ من الأحزاب أو الكيانات أو التنظيمات ولكنهم معارضون للنظام.

 

أما اختصار الحياة السياسية على الحزب والإخوان فهو مجافٍ للحقيقة، حتى وإن كانت هذه الكيانات الأخرى لا تتمتع بالتأييد الشعبي الذي يتمتع به الإخوان، ثم هل للحزب الوطني فكرٌ؟ أين فكره؟ وما هو أثره في حياة الوطن والمواطن طوال أكثر من ثلاثين عامًا هي عمر الحزب؟!

 

يقول الأستاذ فاروق: "يجمع بين الوطني والإخوان أن كليهما لا يؤمن بالحوار"!!.
وأسأل: أَوَلَيْس الوطني وحكومته يفرضان القيود على حرية الرأي والتعبير والتنظيم..؟ أَوَلَيْست حكومة الحزب هي التي تعتقل وتعذِّب المواطنين؟! وتعتدي على الصحفيات والقضاة والطلاب والعمال إذا تظاهروا؟!

 

يقول الأستاذ فاروق: "يجمع بين الوطني والإخوان أن الأول يتحدث باسم الوطن والثاني يتحدث باسم الدين"!!.

 

وأقول له: لسنا جماعةً دينيةً، إنما نحن جماعة وهيئة إسلامية جامعة، تؤمن بأن الإسلام دين شامل يشمل جميع مظاهر الحياة؛ فهو مصحف وسيف، سياسة واقتصاد، قضاء وحكم، كسب وغنى..

 

وإن الإسلام يقر بالتعددية، ولا يُكرِهُ الناس حتى على الاعتقاد، فكيف يُكرِهُ الناس على الفكر، والدليل أن هناك العديد من الجماعات الإسلامية الموجودة على الساحة كانت قبل الإخوان، وأخرى جاءت بعدها، ولكن لكون الإخوان يعبِّرون عن فهم الإسلام الوسطي المعتدل الشامل كسبوا أرضيةً شعبيةً جارفةً، تتزايد مهما حاول البعض الإساءة إليهم أو النَّيل منهم.

 

يقول الأستاذ فاروق: "يجمع بين الإخوان والوطني أن الصراعات بين أطرافه هي التي تحكم كل شيء؛ فالقديم يريد البقاء أطول وقت ممكن، والجديد لا يجد لنفسه مكانًا على الإطلاق"!!.

 

وأقول له: الإخوان لديهم ثابت استلهموه من الإسلام، ألا وهو الشورى؛ فالشورى عندهم ملزمة لكبيرهم وصغيرهم، فلا يستبدُّ أحدٌ برأيٍ أو بقرارٍ، ولا يصل أحدٌ إلى مكان إلا بالانتخاب، ولكل موقع مستوى يسائله ويحاسبه؛ لذا لا مكان للاستبداد داخل الإخوان؛ لأنهم يعتقدون أن الاستبداد حرام شرعًا، ويؤمنون أن الشورى وتبادُل الآراء أفضل الوسائل تمحيصًا للحقيقة ووصولاً إليها، ويجب أن يستشار كلُّ أخٍ؛ لأن الجميع يدفع الثمن من الاعتقال والملاحقة ومصادرة أمواله.

 

يقول الأستاذ فاروق: "يجمع بين الإخوان أن كليهما يسعى للسلطة ويريد البقاء فيها للأبد ولا يؤمن بتداولها، والثاني يريد الوصول إليها بأي طريقة وبأي أسلوب"!!.

 

وأقول: النصف الأول صحيح؛ فالحزب الوطني جاثم على صدورنا طوال أكثر من ثلاثين عامًا، أما أن الإخوان يريدون السلطة بأي أسلوب وبأي ثمن فهو منتهى الظلم؛ لأن الإخوان أسلوبهم سلمي.. تغيير شعبي لا نخبي.. متدرج لا ثوري.. مستمر لا لحظي.

 

أما أن الإخوان يريدون السلطة بأي ثمن فلا وألف لا.. لا يسعى الإخوان لتحصيل مصالح على حساب المبادئ..

 

إذا أراد الإخوان السلطة اعترفوا بإسرائيل، وهو ما رفضوه، وما زالوا وسوف يظلون يرفضونه!!.

 

إذا أراد الإخوان السلطة تضامنوا وتعاهدوا على حفظ المصالح الأمريكية، وهم الذين اعتبروا الإدارة الأمريكية عدوةً للشعوب العربية، وطالبوا بمقاطعة الكيان الصهيوني والأمريكي ومشروعهما!!.

 

الإخوان في الأساس المشروع الإسلامي الحضاري ضد المشروع الصهيو أمريكي – وأن كلا المشروعين يتصاعد على حساب الآخر.

 

ثم يقول الأستاذ فاروق: "إن كلا الإخوان والحزب الوطني يزاوج بين السلطة والمال"!!.
في حق الحزب الوطني صحيح؛ فهناك العديد من رجال الأعمال، الذين تقلَّدوا مناصب قيادية، وحوَّلوا المقاعد إلى مشاريع استثمارية، فاحتكروا صناعات من بابها، وتحوَّلوا إلى أباطرة من مال الشعب، واشتروا أراضي الدولة بالملاليم وبدون ضمان، حتى بات أن في مصر 50 ألف أسرة تتحكّم في أكثر من 40% من اقتصاد مصر، أما الإخوان فأموال أفرادهم مصادرة، ممنوع عليهم تقلد أي منصب، لا يدخلون الشرطة ولا القضاء، ولا وزير ولا وكيل وزارة، ولا عميد كلية، حتى التعيين في وزارة التعليم أو حتى الأوقاف ممنوع، فأين السلطة؟ وأين المال في أيدي الإخوان حتى يتم التزاوج؟!

 

الأصل يا أستاذ فاروق أن نناضل جميعًا من أجل تحقيق الحريات العامة، وتصبح الساحة مفتوحةً لكل الآراء والأفكار السياسية، ونحن واثقون أن الصالح يطرد الطالح ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِيْ الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17).

 

الأصل أن نناضل من أجل إلقاء القوانين الاستثنائية (الطوارئ)، ونعارض أن يصدر قانون الإرهاب قبل التعريف المحدد لكلمة (إرهاب).

 

الأصل أن نتضامن لرفض المحاكمات العسكرية وإحالة المدنيين إلى محاكمات عسكرية، وأن يحاكم المواطن أمام قاضيه الطبيعي.

 

الأصل أن يُسمَح بتكوين الأحزاب بغير (لجنة منع الأحزاب).

الأصل أن يُسمَحَ بحرية التعبير (التظاهر والإضراب والاعتصام).

الأصل أن يُسمَحَ بامتلاك وسائل الإعلام، لا أن تصبح قاصرةً على أفراد وأفكار بعينها.

 

الأصل فكّ القيود وإزالة العوائق أمام المواطن أمام صندوق الاقتراع، وأن يكون هذا الصندوق ترجمةً لإرادة الشعب.

 

إذا أردْنا أن ألا يستبدَّ قومٌ أو فردٌ أو فئةٌ فلا بد من الجميع أن يتعاونوا أن يعود الشعب إلى مربعه الحقيقي، وأن يخرج هذا الشعب من (المربع الصفري) الذي وضعه النظام الحاكم فيه، وأن يصبح الشعب الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه.

 

منتهى الظلم يا أستاذ فاروق أن تساوي بين الضحية والجلاد.. بين الظالم والمظلوم.. بين حاكم مستبدٍّ ومحكوم مقيَّد ومعتقل وملاحق، ويحاكَم أمام قضاء استثنائي، ولا يحظى بأي عدالة أو ضمان، منتهى الظلم ما تقوله، وأرجو أن تعيد النظر فيه.