الصورة غير متاحة

م. هيثم أبو خليل

 

خلال إجازة العيد، سمعنا وقرأنا أخبارًا كثيرةً ومتنوعةً، وكانت الإجازة فرصةً لنتوقف عند بعضها، خصوصًا أربعة منها تمثل عجائب:

أولى تلك العجائب والأخبار..

هو أن الرئيس عبد الله صالح قرَّر التوقف عن تعاطي نبات القات (المخدّر)؛ حتى يستثمر وقته أفضل استثمار!!.

 

بصراحة، عندما قرأت الخبر لم أُصدَم بأن رئيس دولة عربية يتعاطى، بل بالعكس، فمن ينظر لليمن الذي أصبح غير سعيد يعرف جيدًا سبب ما وصل إليه اليمن؛ فالرئيس عبد الله صالح، يحكم بلاده آخر مزاج، والشعب اليمني الحبيب غارق إلى أذنيه في تعاطي هذا النبات اللعين والمدمِّر، والذي يستهلك ويستنزف المال والوقت والصحة في عمليات (التخزين)، والتي تستمر لساعات، وبمظهر سيِّئ لا يليق بشعب عريق ذي حضارة مثل شعب اليمن، ويؤثر تأثيرًا مباشرًا على الشعب وعلى اقتصاده، بل وعلى حياته كلها، فمن يزُرْ اليمن يشعرْ أنه ما زال يعيش في عصر غير العصر الذي نحياه؛ فالصناعة اليمنية متواضعة للغاية، وغالبية المزارعين هجروا زراعة المحاصيل لزراعة "القات" لربحيته العالية؛ مما أدَّى إلى ارتفاع الأسعار وفقدان كثير من المياه؛ حيث أثبتت دراسة حديثة أن 80% من المياه المستهلكة في الزراعة تذهب لزراعة "القات".

 

وعرفت أخيرًا لماذا تجارة المخدرات في عالمنا العربي لا تجد الردع المناسب والجدية والهمة التي يتم التعامل فيها مع من يتعاطون السياسة، فمن يقمع شعبًا بأكمله هل يجد صعوبةً في التعامل مع مئات التجار لهذه المواد المدمرة؟! أم أن حكم شعب مخدَّر أفضل وأسهل من حكم شعب منتبه ويقظ؟! عمومًا ما يحدث في اليمن جريمةٌ في حق أمة بأكملها راحت في غيبوبة، فهل من وقفة حتى يعود اليمن كما كان؟!

 

ثانية العجائب والأخبار

هو الحوار الذي نشره موقع (العربية) مع العديد من الجزَّارين في مصر قبيل العيد والذي تبيَّن فيه قيام بعض الأسر المصرية بتأجير خروف العيد بأسعار تتراوح من جنيه إلى ثلاثة جنيهات في اليوم خلاف التكفل بإطعامه؛ بحيث يتم اصطحاب الخروف قبل العيد بعدة أيام ووضعه أمام البيت؛ بحيث يقوم (بالمأمأة)، وعمل (منظر) للمستأجر أمام أهل الحي، كما يفرح أولاد المستأجر به، وصباح العيد يتم إرجاعه للجزار وشراء عدة كيلو جرامات من اللحم بدلاً منه!!.

 

نترك هذه الظاهرة من كونها نفاقًا اجتماعيًّا أو نحوه، ونقف ونعجَب للمرة المليون من إصرار الشعب المصري على التعامل مع الواقع والتحايل عليه، بدون بذل أي مجهود لتغييره، وعمل وصنع واقع أفضل وأصلح يعيش فيه، وأشبه ما يقوم به الشعب المصري مع حالته اليومية باللص الذي دخل يسرق أحد المنازل بصفة يومية.

 

فعند محاولة صاحب البيت أن يشتكي للشرطة مما يحدث له، اكتشف أن اللص في حماية الشرطة!! فما كان منه إلا أن أقام ساترًا في نصف المنزل من القماش حتى عندما يدخل اللص يوميًّا إلى غرفته المفضلة في بيته لا يسبِّب له إزعاجًا له ولأولاده، ولا يصطدم به، فهو لا يريد مشكلات ووجع دماغ!!.

 

الطريف أن صاحبنا عندما حكى لصديق له عما يفعله، ردَّ عليه قائلاً: أنت سلبي جدًّا!! الحرامي عندما يدخل عندي كل يوم يسرق أنتظره خلف الباب وأقول له: "بخ".. "فيتخض"، فأنظر إليه مبتسمًا وقد شفيت غليلي، وأقول له: "كل يوم من ده"!! هذه واحدة.

 

أما الثانية فهي كلمة أهمس بها للحزب الوطني الذي تتقدَّم بلادنا به!! أعتذر لهم لقد كنت مغفَّلاً ولم أرَ التقدم، أخيرًا "شفته".. تأجير خروف العيد، ومين عارف ممكن نصل لتأجير علبة الحلاوة وزجاجة الزيت ورغيف العيش!!.

 

ونصل لمراحل غير مسبوقة مثل التي وصل لها المسلمون الأوائل عندما كانوا محاصرين في شِعب أبي طالب، من وضع إناء مملوء بالماء، وبه العديد من الحصوات على النار، حتى عندما يغلي يُصدِرُ صوتًا، فيعتقد الأطفال أن هناك طعامًا فيتصبَّرون من الجوع، كل حاجة ممكنة في مصر، "مش لسه مترو الأنفاق داخل على الناس يِعَيَّد عليهم في المحطة"؛ لأن السائق ترك القيادة وذهب يتشاجر مع مجموعة من الأولاد في العربة الأولى، هوَّ فيه أكثر من كده فقر وتسيُّب وإهمال؟! شكرًا يا حزب يا وطني!!.

 

ثالثة العجائب والأخبار

والذي أثار ذهولي هو أن الحرير الذي يستخدم في تصنيع كسوة الكعبة مستورَدٌ بالكامل!! مش عارف الكسوة تكلَّفت 20 مليون ريال، وهناك مصنع مخصوص لتصنيعها، كل ده جميل، لكن أن تتم كسوة بيت الله بخامات ليست على الأقل من أيدي أكثر من مليار مسلم، فأنا أرى أنه "عيب قوي"!!.

 

بصراحة أحسستُ أن الإخوة الصينيين يخدمون الإسلام والدعوة لله أكثر منا، فمن ينظر لسجَّاد الصلاة والسبح وملابس الإحرام وحتى ورق المصحف الذي يتم الطباعة عليه، يجعلنا نكون ممتنِّين لهم، فلولاهم كنا ما زلنا نسبِّح بالحصوات، ونكتب القرآن على الرقاع والجلود!!.

 

أما رابعة العجائب والأخبار..

فهو ما وصل له سعر الحج في مصر، وهو شأنٌ مصريٌّ خالصٌ، فالحج في الإمارات لا يتكلف سوى 80 درهمًا، وبمنتهى السهولة واليسر تأخذ التأشيرة وتركب سيارتك وتذهب لتقضي الفريضة والركن الخامس من أركان الإسلام، ونفس الحال في قطر وسوريا وغالبية الدول العربية، ننظر للوضع في مصر فنجد أقل سعر للحج البري هو 15 ألف جنيه، وترتفع أسعار الحج حتى تصل لـ120 ألف جنيه عدًّا ونقدًا للحج السوبر الفاخر، وتجد سعر تذكرة الطيران خلال موسم الحج تصل إلى 4700 جنيه، في حين أنه بعد الحج بأيام يعود لسعره الطبيعي وهو 2100 جنيه، وهو سعر مغالًى فيه أيضًا؛ نتيجة الاحتكار التي تقوم به شركتا مصر للطيران والطيران السعودي، تجد السفر لتركيا بالطائرة والإقامة في فندق ثلاث نجوم لمدة أسبوع بالإفطار بـ1250 جنيهًا!!

 

وتجد رحلة الحج مستحيلةً، والكل يتاجر فيها، ويستغلها أبشع استغلال؛ ابتداءً من توزيع التأشيرات بطريقة غير نزيهة بطرح 52 ألف تأشيرة لحجاج القرعة والجمعيات والشركات السياحية والاحتفاظ بـ15 ألف تأشيرة لتوزيعها على الخاصة وطرحها في السوق السوداء، وعلى أصحاب الولاء والنفوذ، وانتهاءً بعمل نظام الحصص للشركات السياحية وتقسيمها لدرجات؛ مما نتج عنه قيام شركات ليس عندها قسم سياحة دينية من الأساس ببيع حصتها من التأشيرات لشركه أخرى بسعر 12 ألف جنيه للتأشيرة، والضحية في النهاية هو الحاجّ!!.

 

بصراحة، بعد رفْضِ النظام المصري فكرةَ الجسر بيننا وبين السعودية، وبعد ما نراه من معاناة ومذلَّة للمصريين، بل وغرق المئات منهم في التنقل بين بلادهم وبين بيت الله الحرام، أجدني مدفوعًا بأن أقول: لن أعجَبَ هذه المرة بأن العمرة والحج أصبحت في مصر لفئات معينة وبصعوبة بالغة، ولن نحلم أن نكون مثل دول كثيرة، ومنها إيران، التي تدعم بقوة، وتوفِّر وتكفل سبل الراحة والتنقل والإقامة للحجاج والمعتمرين.. فمن يفعل هذا بشعبه في أبسط الحقوق، وهو تأدية ركن من أركان الإسلام، ليس عليه عتاب أو حرج!!.

-------------

haythamabokhalil@hotmail.com