أشرنا فيما سبق إلى أن المشروع الصهيوني يمضي في طريقه على حساب الحقوق الفلسطينية؛ لدرجة أن هذا المشروع جعل المطالبة بهذه الحقوق أحيانًا ضربًا من عدم الواقعية, وأدخل الشك في قلوب الكثيرين، خاصةً من ينظرون إليه ما تبقى في كل مرة من فلسطين, ويريدون أن يوقفوا هذا المشروع على الأقل بدلاً من أن تأخذهم الأماني إلى آفاق بعيدة، فيطمحون إلى إرجاع المشروع خطواتٍ إلى الوراء, أو إغفال ما تحقَّق في المشروع, والمطالبة بالأصول.

 

ويتفرع عن ذلك أن الاختلاف بين حماس وفتح هو في واقع الأمر اختلافٌ فيما يجب المطالبة به، وفي الطريقة التي يمكن المطالبة بها، فلا شك عندي في أن كل أبناء فلسطين يتمنَّون أن يروا كل فلسطين وقد عادت لأهلها, وأن مفاتيح المنازل التي لا تزال أثرًا تاريخيًّا للاجئين منذ 1948م قد عادت إليها الحياة، وأصبحت صالحةً لكي تفتح أبوابهم على عالم ظنوا أنه قد أصبح من الماضي الجميل لا سبيل إلى عودته.

 

ولا يجوز في هذه المرحلة أن يُسهم الكتَّاب العرب بتحليلات قد تكون حقيقيةً, ولكنها تنقل القضية من سياقها الفلسطيني "الإسرائيلي" إلى دروب التشتت والضياع والصراع، والناظر إلى ما يحدث في فلسطين لا بد أن يلمح نهايةً مأساويةً لهذا الشعب, وهذه القضية؛ فالظاهر للعيان- وربما لا تكون الحقيقة كذلك- هو أن الخلاف بين فتح وحماس قد وصل إلى حد أن أولمرت أصبح الحليف الطبيعي لأبو مازن ضد حماس, وأن ثمن هذا التحالف هو سكوت أبو مازن عن الحقوق الفلسطينية التي يرى أن معظمها لم يعُد قابلاً للتحقيق في ظل اكتساح المشروع الصهيوني.

 

كما أن مكافأة هذا التحالف له هو القضاء على حماس (غريمه السياسي اللدود) تحت عنوان استرداد الشرعية على كل الأراضي الفلسطينية كما أشرنا، وأصبحت الشرعية في فلسطين تعني أن يبسط  أبو مازن سلطته على غزة, قبل أن تعني بسط السلطة الفلسطينية على كل الأراضي المحتلة بعد زوال الاحتلال؛ فأصبحت لدينا طبقتان من الشرعية: الأولى شرعية أفقية فلسطينية, والثانية شرعية فلسطينية- "إسرائيلية".

 

عندما يتم التركيز على الشرعية الأولى دون الثانية, فإن ذلك يعني أن القضية الفلسطينية تدخل مرحلة العناية المركزة؛ مما يخفِّف على إسرائيل ويدفعها إلى بذل الجهد لإخراج القضية الفلسطينية من العناية المركَّزة إلى المقبرة.

 

إذا كانت الصورة على هذا النحو من الوضوح القاطع، فإن من العبث أن نتحدث عن أن العلاقة بين الحلفاء الخارجيين هي التي تتحكم في مصير القضية الفلسطينية، ويقصد بالحلفاء الخارجيين "إسرائيل" حليف أبو مازن, وهذا من نكد الدنيا أن يرى عدوًّا ما من صداقته بدٌّ، كما قال شاعرنا, وأما الحليف الآخر فهو إيران، ومعنى ذلك في منطق هؤلاء المرفوض هو أن جمع الشمل الفلسطيني أصبح من المستحيلات الأربعة، ومعناه أيضًا أن يتم التوافق أولاً بين "إسرائيل" وإيران؛ حتى يمكن أن ينفتح الطريق بين أبو مازن وحماس.

 

هذه المعادلة التي يردِّدها البعض من كتَّابنا في غير وعي، تسيء إلى القضية الفلسطينية أبلغ إساءة, وحتى ولو صحَّ أن "إسرائيل" اشترطت على أبو مازن أن يختار "إسرائيل" حليفًا، وأن يهجر حماس إلى الأبد, فإن أبو مازن ليس مخيَّرًا حقيقةً بين الطرفين, وإنما هو مجبَرٌ على تحالف مع ما يفترض أنه عدوُّ الشعب الفلسطيني والمتربِّص به صباح مساء والساهر على إبادته، وهي حقائق يدركها أبو مازن من الوجهة الجينية إدراكَ الفأر جينيًّا أن القط يتربص به.

 

وإن صح أن حماس لا تعصي لإيران أمرًا؛ لأنها المساند الوحيد لها، وأنها تتصرف على هواها؛ فإن ذلك الاعتقاد يؤدي إلى نتائج خطيرة, أولها أن شهداء المقاومة من عمل إيران، وأن شقاء "إسرائيل" بالمقاومة سببُه إيران، وهو سببٌ يدعو "إسرائيل" إلى التفاهم مع إيران إذا اشتدَّت المقاومة, أو إغفال إيران وعدم الحاجة إليها إذا أفَلَت المقاومة.

 

هذه الصورة لا بد أن تزعج العالم العربي إزاء هذا الاستقطاب ولو كان مبالغاً فيه, كما يجب أن تزعج مصر بشكل خاص ولم يعد يكفي مجرد الحديث عن دور مصري خافِت غير محسوس, أو أن تكتفي مصر بالنوايا الطيبة والدعوات الصالحات، بأن يصلح الله ذات البين بين الإخوة الفلسطينيين، وأن يرقَّ لهم قلب "إسرائيل", وأن تهتدي بالتوراة ما دامت تصرُّ على أن تكون دولةً يهوديةً خالصةً.

 

وبالنسبة لمصر فإن استمرار معدل هذه التطورات في فلسطين سوف يؤدي إلى سيطرة "إسرائيل" الكاملة على كل فلسطين، وترحيل الفلسطينيين إلى مصر, فتواجه مصر كارثةً من جوانب ثلاثة لا سبيل إلى إصلاحها، الجانب الأول: هو أن يستهدف الفلسطينيون مصر؛ اعتقادًا بأنها فرَّطت في مساندتهم أمام الوحش الصهيوني، والجانب الثاني: هو ضياع سيناء وتوطين الفلسطينيين عليها ما دامت مصر لا تُظهر أنها بحاجة إليها، ومساحة سيناء أكبر من ضعف مساحة فلسطين، وأما الجانب الثالث من نتائج المأساة فهو: أن تواجه مصر "إسرائيل" في كل فلسطين، بعد إن كانت تنظر إليها على أنها دولة في مساحة معينة, ومحتلة لباقي فلسطين؛ مما يؤدى إلى صراعات حتمية، تنتهي إما بإخضاع مصر لـ"إسرائيل" أو بقضاء مصر على "إسرائيل", وأظن أن هذه النتيجة هي الأقرب إلى النبوءات القرآنية والتوراتية.

 

ولكن كيف نوقف المد الصهيوني الذي يؤدي تقدمُه إلى الإسراع بهذه النتائج الثلاثة؟

أعتقد أن مصر يجب أن تقود تحالفًا عربيًّا قويًّا؛ لوقف المشروع الصهيوني بكل السبل، ثم تعطي الفرصة لوحدة الصف الفلسطيني؛ لأنه يستحيل تحقيق هذا الهدف في ظل الحصار "الإسرائيلي" الخانق، والتضييق على الفلسطينيين، ومحاصرة أبو مازن وحماس في ركن بعيد، وتقتضي الجديَّة التصدي للمشروع الصهيوني وليس الاكتفاء بالبكاء على آثاره، أو النكوص عن متطلبات الدور إلى ما هو أسهل، وهو نقد الطرفين الفلسطينيين, وكلاهما ضحية للتطورات التي أشرنا إليها.

 

نخلص مما تقدَّم إلى أن المطلوب الآن هو دورٌ عربيٌّ واضحٌ، يتصدَّى للمشروع الصهيوني قولاً واحدًا, كما يتصدَّى للموقف الأمريكي المهين والظالم، وأن يقدم مساندةً ماديةً ودبلوماسيةً للشعب الفلسطيني, ويضع "إسرائيل" أمام مسئوليات الدولة المحتلة, وأن يلزمَها بأن تحدِّد الهدف الحقيقي لها في فلسطين، رغم أننا نعلم هذا الهدف من الوثائق "الإسرائيلية" المنشورة, وأن يتحدث العالم العربي صراحةً لا همسًا عما يراد به من جانب الصهيونية العالمية، وحتى عام 2002م كان العالم العربي يفخر بمساندته للمقاومة الفلسطينية واحتضانه للقضية الفلسطينية, والمطلوب أن يعود العالم العربي مرةً أخرى إلى هذا الموقف؛ لأن انتزاع القضية من حضن العالم العربي هو الذي أدَّى إلى وصولها إلى هذا الدرك السحيق من الانهيار.