"لا يجوز أن يُحرَم مواطن مصري من حقوقه الدستورية والقانونية".. جملةٌ قالها الدكتور فتحي سرور في مجال الدفاع عن حق المواطن جمال مبارك في تولِّي رئاسة الجمهورية بالانتخابات!! وهو نفس ما ألمح اليه الدكتور سيد طنطاوي (شيخ الجامع الأزهر)؛ حيث قال بوضوح: "إذا جاء التوريث عن طريق انتخابات حرة نزيهة فلا مانع، لأن هذا حق الابن الدستوري وليس فيه مخالفة للشرع".

 

هنا وهنا فقط ظهرت الحقوق الدستورية والقانونية والشرعية للمواطن المصري!! هنا وجد المواطن المصري من يدافع عن حقوقه!! أما عندما احترق المصريون في القطارات، ودُهِسوا في حوادث الطرقات، وعُذِّبوا وقُتِّلوا في السجون والمعتقلات، فلم نسمع أحدًا يدافع عن هذه الحقوق!! أين هي تلك الكلمات الحاسمات لشيخ الأزهر، ورئيس النواب والنائبات عندما اغتُصبت الحقوق، وزوِّرت الانتخابات، وعندما عزَّ كوب الماء وندرت اللقيمات، وعندما زادت البطالة، وقلت مع العاملين قيمة الجنيهات؟!!

 

بل أين هذا الدفاع المشبوه عن الحقوق عندما تقلَّصت قدرتُنا- كشعب- على ممارسة حقنا الدستوري والقانوني أيضًا في اختيار ممثلينا في الشعب والشورى والمحليات طوال سنوات مضت، لم ينطق فيها أحدٌ من هؤلاء بما تمَّ من انتهاكات؟!!

 

يبدو والله أعلم أن دور الدكتور سرور لم ينتهِ بعد- كما قيل لنا منذ خمس سنوات على لسان أحد نواب الحزب الوطني القريب من السلطات!! والذي كان مفكِّرًا ثم مات! أن سرور سيبقى في موقعه حتى ينال السيد جمال حقوقه- دون مخالفة للدستور والقانون والشرع!- في تولِّي أمور البلاد!!

 

سأترك الدكتور سرور مؤقتًا وأتساءل: هل صحيح أن التوريث سيقع، باعتبار ما يقع على رؤوسنا منذ فترة من نكبات؟! الواقع يقول إن إجراءات التوريث تجري على قدم وساق من تهيئة يشارك فيها المعارضون، من هجوم مركَّز؛ باعتبار أن ما سيكون قد وقع فعلاً!!.

 

أما المؤيدون فيستمر نفيُهم ووقوفهم ضد التوريث باعتبار التركة والإرث، أما تعريف التوريث- تحريرًا للمصطلح- كما وضحه رئيسا المؤسستين التشريعية والدينية فلا أحدَ يعارضه؛ باعتبار هذا التعريف ينفي التوريث المصطلحي!! وكله لعب بالألفاظ، ألا يستحون وهم يمارسون خطيئة الاستعباط على شعب علَّم الدنيا بأسرها بل تفوَّق عليها ودهن الهوا دوكو؟!!

 

التعديلات الدستورية تقول ذلك، والقبضة الأمنية تدعم ذلك، وتغييب الصفوة من شعب مصر وتشويه صورة الوطنيين والمخلصين المحبين لمصر يؤكد ذلك!! لكن العبد لله لا يتوقع ذلك! وتحليلي البسيط يرتكز على موقفين:

الأول: حالة النهب المستمر التي يمارسها النظام، وتجريف ثروات البلاد، ووضعها في أيدٍ أمينة تلتصق بالمستهدف بالتوريث، في مقابل إعمار الممتلكات والمقتنيات والثروات وتكديسها في الخارج!! فكيف يُعقَل أن وريثًا يخرِّب في إرثه الذي هو قادم إليه؟!! لقد فعل محمد علي عكس ذلك عندما استتبَّ له أمْرُ تولِّي عرش مصر، فقد كان صاحب مشروع تنموي لبناء دولة قوية هي ضيعتُه وملكُه له ولأبنائه من بعده! فلم يخرِّب أو ينهب أو يُخرج خيراتِ مصر خارجها! كيف ينتقص من ملكه!!؟ إذًا التوريث أمامه عوائق جمَّة، لا نعلمها نحن، يعلمها هو وثلة من حوله! تستلزم هذا الخراب الذي يحلُّ بالبلد، وتلك الخصومة المستعرة في الوطن؛ عسى أن ينشغل الكل بالكل!!! في دولة تُدار بالحتة أو باليومية!!

الثاني: تلك الضجة المفتعلة حول إشاعة مرض الرئيس وتضخيم الحدث؛ مما استوجب محاكمة رؤساء تحرير صحف مستقلة وصحفيين!! لماذا؟! أظن- والله أعلم- لكي يكونوا عبرةً لمن يفكِّر في إثارة مثل هذه الشائعة مرةً أخرى! لأن معرفة الخبر في حينه قد يُفسد الحسابات هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التوريث على كفِّ عفريت يحتاج لوقتٍ لإنجاح خطته، وهذا الترقُّب مطلوبٌ لفترة أطول لحين انتهاء المداولات! ونحن نعلم من التوريث بالضرورة أن إعلان وفاة الملك فهد قد تأخَّر لمدة عشرة أيام حتى تم المراد، رغم أنها عملية محسوبة لديهم من قبل!! فما بالك بما هو مختلف عليه أو غير مضمون؟!!

 

هذه توقعات تحتمل الخطأ والصواب، لكنها على كلِّ حال تسير في عكس اتجاه الرياح، التي أرادوا لها أن تنجز التوريث؛ باعتباره مواطنًا مصريًّا من أبناء العاملين!!!

 

أخيرًا.. أرجع للدكتور سرور، وهو يعرفني تمامًا، وأسأله رأيَه عما حدث لي شخصيًّا من تزوير أصوات نواب المجلس عند إقرار إبطال العضوية في ديسمبر 2002م، ثم تزوير انتخابات 2003م، التي تحدَّث عنها القضاة في تقريرهم عن تزوير استفتاء المادة 76 في أوائل 2005م، وما رأيه في حقِّي الدستوري والقانوني بعد تزوير نتيجة الانتخابات عام 2005م، والذي يعلمه وأعلم أنه يعلمه علم اليقين؟!! بعد شهادات القضاة وبعد بطلان تقرير محكمة النقض، رغم أنه أبطل الانتخابات لخطأ في الإجراءات! وهو ما نفاه أمين عام اللجنة العامة في اعترافاته المسجَّلة بصوته لجريدة (صوت الأمة)..

 

وهو ما اضطَّرَّنا لأول مرة في تاريخ الطعون الانتخابية أن نطعن في تقرير النقض بهيئة دفاع متطوِّعة، على رأسها الدكتور محمد سليم العوَّا، والدكتور عوض محمد عوض، وسؤالي للدكتور سرور: هل هذا العنت- والإصرار عليه- يحمي حقوقي الدستورية والقانونية والشرعية كمواطن مصري؟!! وهل منعي من السفر لعشر مرات بغير سنَد من القانون، رغم حصولي منذ أيام على الحكم الثالث الذي يبطل قرار وزارة الداخلية المتعسِّف، يؤكد مواطنتي وحقوقي الدستورية والقانونية أم لا؟ وهل منعي من تكوين الجمعية المصرية لرعاية الموهوبين بعد أن شرعت في إنشائها، رغم تنوع أعضائها وذلك بعد ضغوط أمن الدولة على عشرة من المؤسسين لإجبارهم على الاستقالة، ليس تعديًا على حقوقي؟ فهل يضمن لنا الدكتور سرور تنفيذ حكم القضاء هذه المرة عندما يصدر لصالحنا؟ أم أن حقوق المصريين تختلف طبقًا لما يحوزه المصري من سلطة وثروة؟!!

 

لا شك أن الجميع في أزمة.. من يقف ضد التوريث ومن يساند ويرغب في تمرير التوريث!! والخطورة في شعور البعض بالهيمنة وبالحق في التفرد بتقرير مصير مصر، وتحديد مستقبلها بعيدًا عن الشعب وإرادته، طالما يشعر بأن البلد بلده والقانون قانونه! وكل من يتدخل ويقف أمام خياراته فهو مغرض متآمِر، يشق الصف الوطني، ويعرِّض أمن الوطن للخطر، والأخطر أنه يتعدَّى على الدستور ويستهين بالقانون!!! ورحم الله السادات عندما قضى على خصومه، وكله بالقانون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!.

-------------

drhishmat@yahoo.com