![]() |
|
غسان مصطفى الشامي |
أخيرًا أعلنت دولنا العربية عن برامجها النووية السلمية؛ الأمر الذي أدخل الفرحة على قلوبنا بهذه الثورة، وهذا التطور في وطننا العربي، على الرغم من أنه جاء متأخرًا؛ علَّها تحمي هذا الوطن من الكوارث والطواغيت المحيطة بها.
فلماذا لا يسعى العرب لتطوير برامجهم الحربية والعسكرية؟!؛ فها هي الولايات المتحدة راعيةُ السلام والسلم في العالم- كما تَزعم- تَمتلك عددًا كبيرًا من الرءوس النووية، وها هي دولة الكيان الغاصب "إسرائيل" تمتلك عددًا لا بأسَ به من الرءوس النووية، وهي تُشكِّل الخطرَ الأكبر على بلادنا العربية.. فلماذا لا يكون في المُقابل بَرامج نووية عربية؛ لحمايةِ الوطن العربي من طيشِ المُحتل الغاصب؟!.
على الرغم من إعلان مصر أن برامجها النووية ستكون "سِلْمِيةً"، إلا أن الكيان الصهيوني سرعان ما أبدى مَخاوفه وقلقه جرَّاء الإعلان عَن برامج نوويةٍ عربيةٍ، مُعتبرًا هذا الإعلان سِيناريو كَارثةٍ رَهيبةٍ للكيان، بحسب تصريح وزير الشئون الإستراتيجية الصهيوني أفيغدور ليبرمان، قائلاً: "إذا بدأت مصر والسعودية برنامجًا نوويًّا فإن ذلك يُمكن أن يُؤدي إلى سِيناريو كَارثةٍ رَهيبةٍ بالنسبة لنا".
هذا، وقد أعلن الرئيس المصري حسني مبارك في 29 من أكتوبر الماضي أن جمهورية مصر ستمتلك عدة مَحطَّاتٍ نَوويةٍ مدنَيةٍ، مُطلِقةً بذلك برنامجًا جُمِّد من عِشرين عامًّا بَعد كارثة تشرنوبيل في 1986م، فيما أََعلنت دُول مَجلس التعاون الخَليجي- ومن بينها السعودية، واليَمن والأردن وليبيا والجزائر- في وقتٍ واحدٍ تقريبًا مُنذ عام أنها تريد امتلاك برنامج نوويٍّ مَدنيٍ، كَما اقتربت العِراق- في بَعض الأوقات- من تَحقيق الحلم العَربي النووي الذي كَان يُمكنه إحداث التَوازن الإستراتيجي مَع الكيان الصهيوني، غَير أَن ضَرب "إسرائيل" للمَفاعل النَووي العِراقي عام 1981م، وإلحاق هزيمةٍ بالعِراق في حَرب الخليج الثانية عام 1991م، والعُقوبات الصَارمة التي فُرضت عَلى العِراق، وكَذلك نُشوب الحَرب الأهلية في الجَزائر، وما صَاحبها من خللٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ.. كُل ذلك أَبعد البلدين العَربيين عن امتلاك الخيار النووي لمُدة عشر سَنواتٍ أََخرى على أقل التَقديرات؛ لتَبقى مِصر في الصَدارة وتَنفرد بكونها الدَولةَ العَربيةَ الوحيدةَ المُرشَّحةَ لتحقيق الحُلم العَربي النَووي.
في عام 1954م، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تأسيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية باقتراحٍ من الولايات المُتحدة الأمريكية، فيما أَعلنت دولة الكيان الصهيوني عن إنشاء أول لَجنةٍ من نوعها للطاقة الذرية؛ ليَكون ذلك أَوَّل إعلانٍ رسميٍّ بأنها ماضيةٌ قُدُمًا في طريق حيازة وامتلاك السلاح النووي؛ لتجرَّ المنطقة بأكملها إلى سباقٍ نوويٍّ محمومٍ.
وتعمل "إسرائيل" مُنذ أكثر من خمسين عامًا في المَجال النَووي بمعزلٍ عن المعاهداتِ الخاصة بالانتشارِ النووي، فيما طَوَّرت خَلالها سرًّا أسلحةً نوويةً متعددة الأحجام يَزيد عددها على مائتي رأسٍ نوويٍّ، كما لا تَسمح "إسرائيل" لوكالة الطاقة الذرية بزيارة مُنشآتها النووية والتَفتيش عَليها، وتَرفض كَافة الجُهود والمُقترحات الإقليمية لجَعل منطقة "الشرق الأوَسط" خَاليةً من الأسلحةِ النووية، ولا تَعير "إسرائيل" للوكالة الدولية للطاقة الذرية أي اهتمامٍ، بل وتَرفض الامتِثال للمُعاهدات المنَظمة لبَرامج الأسلحة النَووية والتوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.
كما أَصبح الحُلم العَربي النووي مَحطَّ انشغال الأَوساط الدُبلوماسية والاقتصادية والمَصرفية والعَسكرية والمعلوماتية والمخابراتية في الغرب؛ فَعلى الرغم من تَوجس العَالم الغَربي إزاء كُل تحركٍ لأية دَولةٍ في العَالم نَحو الخِيار النَووي، إلا أن الخُبراء الغَربيين لا يُخفون أََملهم في أَلا يُترك الحَبل على الغَارب للدول العَربية لتَكون حُرةً تَختار شُركاءها في إنجَاز مَفاعلاتها النووية، كَأن تَتعاون مثلاً مع إيران أو باكستان أو حَتى رُوسيا والصِين، وهُما قوتان نوويتان منذ عقودٍ، فيما يَعتقد الاتحاد الأوروبي أن مسئولية التعاون الأوروبي العَربي في المجال النووي تقع أساسًا على بَاريس، بالنَظر إلى التَاريخ الطَويل الذي يَربط ما بين فرنسا والعالم العربي، بالإضافة إلى أن الدبلوماسية الفرنسية حَافظت على مواقف حِياديةٍ وإيجابيةٍ مَع قضايا العرب الكُبرى، على عَكس بريطانيا التي يُعتقد أنها منحازةٌ إلى أمريكا في نظرتها لدول المشرق.
يقول الخبير الفرنسي "موران بيكار": "إن حُمَّى النووي أصابت تَقريبًا كل دول "الشرق الأوسط" في وقتٍ واحدٍ بَعد قرار مِصر؛ مَما يؤدي بصورةٍ آليةٍ إلى حَذر الدول الغربية الساعية إلى الحد من انتشار النووي حتى ولو كان سلميًّا، مشيرًا إلى أن التخوَّف أمريكيٌّ و"إسرائيليٌّ" بالدرجة الأولى، وهو ما يُفسِّر الغموض الذي أحاط بدكِّ مفاعلٍ نوويٍّ في الصحراء السورية من قِبَل طائرات "إسرائيلية"!، فلا دمشق ولا تل أَبيب ولا العواصم الغربية قَدَّمت تفسيراتٍ مقنعةً لما حدث.
ومن جهة ثانية فإن هناك تَوجساتٍ من تَغيير طبيعة بعض الأنظمة لتَصبح راديكاليةً وإسلاميةً في مستقبلٍ مجهولٍ" على حدِّ قوله.
ويَبقى على الدولة العَربية تَوحيد جُهودها وخِبراتها النووية والتعاون فيما بَينها في هذا المَجال، كَما يَجب علينا العَمل على توحيد كلمتنا وخطابنا العَربي؛ حَتى نَستطيع مُجابهة العَالم أَجمع بقوةٍٍ عربيةٍٍ نوويةٍٍ موحدةٍ؛ وذلك لنَتمكن من التَحدي ومُواجهة مَخاطر النووي "الإسرائيلي" والأمريكي والعَالم الغَربي، كما يَجب علينا أن نُدرك أنه ليس المُهم أن نتملك الطاقة النووية أو الذرية، ولكن الأهم من ذلك كله هو بناء الإنسان القَادر على صُنع هذه الأشياء وامتلاك الطاقة النووية.
