ثمَّةَ إشاراتٌ تدل على أن منطقة الشرق الأوسط مقبلةٌ على وضْعٍ جديد، مختلف عن الوضع المشدود الذي عاشت في ظله خلال الأسابيع السابقة، من السابق لأوانه أن نتحدث عن "انفراج"، وهو أمرٌ لا يبدو قريبًا، ولكن أزعم أننا بصدد وضع مختلف، يتشكَّل في الوقت الراهن من الإشارات التي أدَّعِيْها تتمثل في أربعة أمور هي:

* تقرير المخابرات المركزية الأمريكية الذي تحدَّثَت فيه عن أن إيران أوقفت برنامجها العسكري النووي منذ أربع سنوات؛ الأمر الذي يعني أن المخاوف التي أثيرت بخصوص المشروع الإيراني لم يعُد لها محلٌّ في الوقت الراهن.

 

صحيح أن التقرير لن يغيِّر من نظرة الإدارة الأمريكية لإيران واعتبارها خطرًا يتعيَّن إزالتُه، لكنه بكل تأكيد سيجعل موقف إدارة الرئيس بوش صعبًا للغاية أمام الكونجرس وأمام الرأي العام، إذا ما أراد أن يوجِّهَ ضربةً عسكريةً لإيران، بل إن الإدارة الأمريكية أصبحت بعد التقرير تواجِهُ صعوبةً في استصدار قرارٍ من الأمم المتحدة بتشديد العقوبات على إيران، هذا ما صرح به المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة زلماي خليل زاد، وإذا كان ذلك القرار قد أصبح صعبًا، فما بالك بما هو أكبر منه وأخطر؟!

 

عند الحد الأدنى فإن التقرير أوقف مساعي التصعيد العسكري الأمريكي في مواجهة إيران، وأسفر عن تراجع أولوية الضربة العسكرية في الوقت الراهن، ولا أستبعد أن يكون الرئيس الأمريكي قد اختار في نهاية المطاف أن يرحِّل الملف الإيراني لخلَفه الذي يفترض أن ينتخب في العام القادم، بعد ما تزايدت الضغوط في أوساط القيادات العسكرية الأمريكية والقيادات السياسية، الرافضة بتكرار الكارثة العراقية، ونقلها من بغداد إلى طهران، وهناك تسريباتٌ أمريكيةٌ تقول إن الرئيس بوش أدرك خطورةَ الخطوةِ التي كان مُقدِمًا عليها، وأراد أن يتراجع في قراره بتوجيه الضربة العسكرية، فغطَّى نفسه بالتصريح للمخابرات بإخراج التقرير إلى النور.

 

وسواءٌ أرادت المخابرات المركزية أن تخلي مسئوليتها وتبرئ ذمتَها أمام الرأي العام حتى لا تتكرر خطيئة العراق، أم أن الرئيس بوش أراد أن يغطي موقفه متذرِّعًا "بمفاجأة" التقرير، لكي يعدِل عن قرار توجيه الضربة العسكرية، فالشاهد أن التقرير أُعلِنَ على الملأ وأحدث أصداءه في كل اتجاه، من الأمم المتحدة إلى منطقة الخليج، التي أحسب أن مخاوفها من انطلاق الحرب قد تبدَّدت بصورة نسبية، وإذا صحَّ ذلك فإنه سيكون بابًا يستدعي أسئلةً أخرى من قبيل: كيف يكون صدى ذلك في إيران على الصعيدَين الداخلي والخارجي؟! أعني أن ما جرى يمكن احتسابه؛ باعتباره نقطةً لصالح الرئيس أحمدي نجاد وفريقه، يمكن أن تفيده ومجموعة القوى المحافظة التي تسانده، وتحسِّن مركزهم في انتخابات مجلس الشورى القادمة في شهر مارس القادم، ثم ماذا سيكون صدى ذلك في العلاقات الإيرانية الأمريكية؟ وهل يمكن أن تؤدي التهدئة النسبية إلى إحداث ثغرة في جدار العلاقات تؤدي إلى تفاهم أمريكي إيراني يحتاجه الطرفان، سواءٌ لتهدئة الأوضاع في العراق وأفغانستان، أو للتخفيف من حِدَّةِ الحصار المفروض على إيران؟!

 

وهناك سؤال آخر في منتهى الأهمية، هو: ماذا سيكون موقف "إسرائيل" في هذه الحالة التي هي الطرف الأساسي في هذا الملف، الذي يزعجه بأكثر من غيره تقدُّم المشروع النووي الإيراني؟ وهل سيدفعها ذلك إلى القيام من جانبها بالضربة العسكرية التي كانت تنشدها، ليس فقط لإجهاض المشروع والتفرد بالقوة في المنطقة، ولكن أيضًا لكي تسترد الهيبة التي فقدتها حين هُزِمت من جانب حزب الله في صيف العام الماضي؟!

 

* الأمر الثاني يتمثَّل في حلِّ العقدة اللبنانية بالتوافق بين الأطراف المختلفة، صحيحٌ أن العقدة لم تنحلّ تمامًا؛ لأنه حتى كتابة هذه السطور فإن الشقَّ الذي انحلَّ هو ما يخصُّ رئاسة الجمهورية، في حين أن اللغط لا يزال مستمرًّا حول رئاسة الحكومة وبعض الملابسات السياسية الأخرى (قانون الانتخابات مثلاً)، وما يهمنا في هذه النقطة هو أن المشروع الأمريكي في لبنان كان له هدف محدد، هو تغليب طرف على آخر بما يؤدي في نهاية المطاف إلى تجريد حزب الله من سلاحه، وقطع الطريق على أي تفاهم مع دمشق، ومن ثم إضعاف الدور الإيراني في المنطقة، وفي الوقت ذاته مدّ الجسور بين إسرائيل ولبنان لتوسيع نطاق معسكر "الاعتدال" في العالم العربي، المحتشد مع "إسرائيل" في مواجهة إيران.

 

ذلك كله لم يتحقق؛ لأن التحول المركزي فيه لم يقع، أعني أنه لم يحدث أن تم تغليب طرف على آخر، وإنما توافق الطرفان على موضوع الرئاسة وقطَعَا شوطًا لا بأس به في التفاهم حول الحكومة وبقية الملفات، وليس بوسعنا أن نقول من انتصر في معركة ليِّ الذراع، ولكننا نستطيع أن نقول إن الطرفين لم يهزما، وإن المراهنة الأساسية- الأمريكية و"الإسرائيلية"- على محاصرة حزب الله وكسر إرادته لم تقع، وبالتالي فإن المخاوف الشديدة التي برزت من جرَّاء حدوث ذلك الاحتمال تراجعت بدورها إلى حدٍّ كبيرٍ، وكان الرابح من كل ذلك هو لبنان في التحليل الأخير.

 

* الأمر الثالث هو إعادة بعض الحيوية إلى خط عمان دمشق، الذي كان قد انقطع تمامًا في الآونة الأخيرة، وتمثل ذلك في زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله لدمشق قبل انعقاد مؤتمر أنابوليس، ثم في زيارة وزير الخارجية السوري لعمان هذا الأسبوع واجتماعه مع رئيس الوزراء الأردني، ذلك في القدر المعلن على الأقل، هذه العودة النسبية تكسر طوق الحصار السياسي الذي فُرِضَ على سوريا، وتطوي إلى حدٍّ ما صفحةَ الادِّعاء بضلوعها فيما سُمِّيَ ذات مرة بالهلال الشيعي، وتفتح الطريق لتفعيل الدور السوري في اتجاهات متعددة منها الشأن الفلسطيني واللبناني، ولا أستبعد أن تكون سوريا قد أسهمت في التوافق اللبناني حول شخص رئيس الجمهورية، وهي التي كان لها دورها التاريخي- مع مصر والسعودية- في التفاهم بهذا الخصوص.

 

* الأمر الرابع يتمثَّل في الزيارة التي قام بها للرياض هذا الأسبوع وفدُ حركة حماس برئاسة خالد مشعل رئيس المكتب السياسي، وهي الزيارة التي ظلت مؤجلةً منذ ثلاثة أشهر تقريبًا، ورغم أن الاتصالات لم تنقطع طوال الوقت بين قيادة حماس والمملكة السعودية التي رعت اتفاق جدة، إلا أنها بعد ما جرى في غزة في منتصف يونيو الماضي لم تَعُد إلى سابق عهدها، على الأقل من حيث أن تدهور العلاقات بين الطرفين الأساسيين في حكومة الوحدة الوطنية اعتُبِرَ نكوصًا عن الاتفاق الذي رعاه الملك عبد الله بن عبد العزيز، وفي حدود علمي فإن مراسلاتٍ تمت بين قيادة حماس وبين الرياض، تم خلالها استيضاح بعض الأمور فيما تم، واستجلاء آفاق المستقبل، الأمر الذي انتهى بموافقة الرياض على استقبال وفد حماس، وليس بوسعنا أن نتنبَّأ بنتائج هذه الزيارة، ولكننا نستطيع القول بأنه في ظلها تم وصل ما انقطع بصورة نسبية بين الجانبين، كما أننا لن نشتطَّ أو نذهب بعيدًا إذا قلنا إن موضوعها الأساسي هو تهيئة الأجواء لاستعادة الحوار بين فتح وحماس، الذي لا بد أن يُسهِمَ في الحد من أثَر الكارثة التي أصابت العصب الفلسطيني في مقتل، وإيقاف التدهور الخطير للأوضاع الإنسانية في غزة.

 

لا غضاضةَ في أن تكون هذه تمنياتٌ، ولكني أحسبها رؤيةً للنصف الملآن من الكأس تعطينا؛ أملاً في أن نستقبل في العام الجديد بعض المؤشرات الإيجابية في العالم العربي، الذي امتلأ أفقه بالسحابات الكثيفة والسوداء وهي مؤشرات إذا لم توح بإمكانية تحسن أوضاعنا، فهي على الأقل تبشِّرنا بأن المراهنات الشرِّيرة على قلب الأوضاع في المنطقة قد فشلت، أو في سبيلها إلى ذلك.

------------

* (الشرق الأوسط) 12/12/2007م.