الصورة غير متاحة

 محمد السروجي

 

في إجراء ديمقراطي وحضاري غير مسبوق، قام مجلس شورى الإخوان المسلمين بالأردن بحلِّ نفسه، والدعوة لانتخابات جديدة، وفقًا للمادة 29/ ب من القانون الأساسي للجماعة، مرجعًا ذلك للأسباب الآتية:

* الخطأ في تقدير الموقف إزاء حجم التزوير الحكومي.

* المشاركة في الشعور العام بالغضب إزاء السلوك الحكومي لدى قواعد الحركة الإسلامية.

 

صدر قرار الحلِّ، وتباينت ردود الفعل في التعاطي معه، كلٌّ حسب توجُّهه الفكري وأجندته السياسية، ولِمَ لا وهي ممارسةٌ لم تعهدها الأنظمة والتنظيمات العربية- سواءً بسواء- باختلاف ألونها الفكرية والعقدية والسياسية؟!

 

صدر قرار الحلِّ، وصدرت معه جملةٌ من الأسئلة والاستفسارات من داخل وخارج الحركة الإسلامية محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا حول الدواعي الحقيقية لقرار الحل؟ هل هي ريادة ديمقراطية أم أزمة داخلية استدعت شعارًا تاريخيًّا لدى الجماعة أن الحل هو الحل؟! وهل حقًّا فشل إخوان الأردن في الانتخابات أم أن فيروس التزوير الشامل انتشر في خلايا الأنظمة العربية من الخليج إلى المحيط؟! وأخيرًا ما هي الرسائل التي أراد إخوان الأردن توجيهها؟ ولمن؟

 

رسائل الإخوان.. ولمن؟!

أراد الإخوان بهذا الإجراء توجيه عدة رسائل ولأطراف عدة منها:

الإخوان أنفسهم قواعد وقيادات.. والرسالة هي:

* احترام مجلس الشورى المنتخب للقانون الأساسي للجماعة، وعدم الالتفاف عليه بحجج وتبريرات قد تجد لها مؤيدين ومناصرين في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الجماعة.

* التحرر من الثقافة السائدة في تبرير الأخطاء، وتحويل الإخفاقات إلى إنجازات وهمية، بل التعامل بصدق ومسئولية.

* تطبيق مبدأ الرقابة والمساءلة على كل المؤسسات والتشكيلات التنظيمية.

* تقدير وتثمين التفويض الممنوح من القواعد للمؤسسة الشورية العليا.

* ضرب المثل والقدوة في تبادل المواقع التنظيمية وبأسلوب ديمقراطي وحضاري.

* قوة وحيوية وسلامة الجماعة وبنائها التنظيمي؛ مما يمكِّنها من اتخاذ القرارات الصعبة في الأوقات الحرجة.

 

الأنظمة الحاكمة.. والرسالة هي:

* ضرورة احترام النصوص الدستورية والقانونية والالتزام بها، وعدم الالتفاف عليها بتعديلها لخدمة المصالح الخاصة والضيقة، كما تم بالتعديلات الدستورية في كثير من البلدان العربية لتهيئة المناخ لإقصاء المعارضة وتوريث الحكم.

* ضرورة التعامل بمصداقية وشفافية ومسئولية واحترام إرادة جمهور الأمة.

* الإصرار على الحضور والمشاركة بل والمزاحمة كحقٍّ دستوريٍّ وقانونيٍّ، رغم كل الممارسات والتجاوزات الحكومية.

* الإصرار على الممارسة السياسية السلمية وعدم التجاوب مع الاستفزاز والاستنفار الحكومي والأمني.

 

الأحزاب والقوى الشعبية.. والرسالة هي:

* الحذر من الاستيعاب الأمني والحكومي والتحرر من المصالح الشخصية والمحدودة لما هو أسمى.

* مهمة الإصلاح لا يقوى عليها فصيلٌ سياسيٌّ منفرد، والمصلحة الوطنية تقتضي الشراكة التضامنية.

* تيار رجال الثروة القادم إلى السلطة التشريعية سيحوِّل الوطن إلى "مول" تجاري يباع فيه كل شيء ولأي أحد، بغضِّ النظر عن هويته وولائه الوطني والعقدي؛ مما يهدِّد الأمن القومي القطري والعربي.

* ضرورة اليقظة؛ لأن المرحلة القادمة سيتم فيها استكمال المشروع الصهيوأمريكي، والالتفاف حول قضايا الأمة المركزية، وعلى رأسها فلسطين والعراق.

 

وأخيرًا..

هل من الممكن تكرار هذه الممارسة الديمقراطية الناضجة في بلدان عربية وإسلامية أخرى؟ أم أن ثقافة المجتمعات ستبقى حائلاً دون ذلك؟!

--------

مدير مركز الفجر للدراسات والتنمية.