في مقالته الصارخة في عدد مجلة "foreign affairs" صيف عام 2006م تساءل الدكتور هنري كيسنيجر عمَّا إذا كانت الولايات المتحدة بحاجةٍ إلى سياسةٍ خارجية, وفيما يتعلق بمصر فأنا أظن أن مصر بحاجةٍ إلى سياسةٍ خارجيةٍ, وأزعم أن مثل هذه السياسة تحتاج إلى الكثير حتى ندرك وجودها, ولذلك يجب أن نعرف أن هناك فرقًا بين الدور والموقف والسياسة, كما أن هناك فرقًا بين السياسة الخارجية لدولة والعلاقات الخارجية لنفس الدولة؛ فالسياسة الخارجية هي مجموعة القرارات التي تتخذها الدولة لتحقيق أهداف وطنية وفق رؤية معينة في ظروف معينة وبأدوات معينة.
ومعلومٌ أن قرار السياسة الخارجية قد أصبح جزءًا من دراسات السياسة الخارجية على الأقل منذ عشرينيات القرن العشرين، وأصبح مألوفًا في دراسات السياسة الخارجية في مصر منذ عقدين من الزمان, ومع ذلك لا أظن أن المعطيات النظرية لقرار السياسة الخارجية يمكن أن تكون جزءًا من ثقافة صانع القرار في مصر, بل لا أبالغ إذا قلت إن مصر ليس لديها سياسة خارجية، ولكن لدى مصر بعض المواقف من بعض القضايا التي لا يمكن أن تشكل مفهومًا للسياسة الخارجية، رغم أن البعض يردد بشكلٍ تلقائي عددًا من المبادئ العامة التي تخرج عن السياق تمامًا، مثل السعي للسلام والتنمية والصداقة مع الجميع، ودعم سياسة عدم الانحياز، وغيرها.
ويرجع الخلل في ذلك إلى أن مصر- باعتبارها دولة إقليمية كبيرة- لا تدرك دورها ومكانتها، وأنها منذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل قد تقاذفتها الأمواج وحطَّت بها في ركنٍ قصيّ رغم ما تتمتع به جسديًّا بالمكانة الجغرافية، والحجم الكبير سكانيًّا ومساحةً، مع انقطاع التجارب التاريخية في مجال السياسة الخارجية؛ فقد كانت أجندة مصر في العهد الناصري هي دعم الاستقلال ومساندة قضايا الحرية ومحاربة الاستعمار، ثم انكسر المشروع الناصري عام 1967م.
وأصبحت مصر بعد ذلك تحاول استثمار نتائج حرب 1973م، واختارت سلةً واحدةً هي السلة الأمريكية التي قفزت إليها إسرائيل، فأصبحت مصر في هذه السلة منذ ذلك اليوم، واعتبرت أن السلة الأمريكية هي بديلٌ عن انتمائها العربي؛ ولذلك قلَّلت مصر السادات من أهمية الانتماء العربي لمصر؛ مما شجع البعض إلى المغالاة، فاعْتُبِر أن مصر قد توقفت عند عصر الفراعنة، وطالبوا بإنشاء حزب وإحياء اللغة الهيروغليفية، وغيرها من الشطحات التي تتسم بالطابع الوطني العنصري الذي يغفل تمامًا كل مقوِّمات الدولة المصرية ومحيطها العربي والإسلامي.
ولكن مصر- التي تتمتع بمقومات الدولة القائد من الناحية الجسمانية- لا تتمتع بعقلية القيادة، ولا تدرك أنها تقف على مِقْوَد القيادة؛ لذلك خسرت الدور، كما أصبحت مواقفها في مجال السياسة الخارجية مواقف باهتة، وتُصنَّف أحيانًا على مواقف تابعة؛ فبعد أن كانت مصر تؤثِّر تأثيرًا حقيقيًّا في المنطقة وتعتد بها قوى النظام الدولي باعتبارها متحدثًا باسم المنطقة العربية، تساوت مصر مع أصغر دولة عربية أو أقل- مثل الأردن وقطر وغيرها- بل دخلت مصر في تحالفات تعبِّر عن حالة سرطانية أقل ما تُوصف به أنها أصبحت تُوظَّف لخدمة أهداف لا تلتقي مع المصلحة العربية العليا، مثل محور الاعتدال ضد محور التطرف, وأحدثها محور السنَّة ضد محور الشيعة.
وقد توازى هذا الانسحاب في مجال السياسات الإقليمية مع تدهور مماثل وتآكل مخيف في مقومات الدولة التي ظلَّت مركزيةً ولو بشكل قمعي وحتى تحت الاستعمار منذ عصور الفراعنة, وقد أثَّر ذلك تأثيرًا عميقًا على بنية المجتمع المصري وتوجهاته، وهو الذي يمثِّل الوعاء البشري للدولة.
فإذا كانت مصر لا تملك سياسة خارجية وإنما تملك رصيدًا من العلاقات الخارجية مع الدول العربية، فإن ذلك- في حالة مصر- يؤدي إلى الكثير من الآثار الضارة؛ ذلك أن الدور المصري المؤثِّر كان دائمًا من سمات الكيان المصري، سواء في عصور الاستقلال النادرة أو عصور الاستعمار، فكانت مصر تؤثِّر ثقافيًّا وسياسيًّا بقدر ما يتسع دورها الإقليمي، ولم يكن الدور الإقليمي ترفًا لمصر عبر التاريخ، ولكنه كان دائمًا ضرورة للوفاء بمتطلبات المجتمع المصري, صحيحٌ أن مصر لم تكن كيانًا معتديًا على جيرانه.
ولكن الأمن القومي المصري كان يمتد إلى الجوار؛ فعندما انحسر مفهوم الأمن القومي المصري ووزن مصر السياسي وأصبح محصورًا داخل حدود مصر الجغرافية، فإن المسافة الفاصلة بين الحدود الجغرافية وحدود القوة السياسية هي معدل التدخل الأجنبي في قرار مصر الداخلي والدولي؛ لأن مصر تتمتع بميزة مهمة تصبح أحيانًا نقمةً عليها وعبئًا على إدارة السياسة الخارجية فيها.
وهي أن قوى النظام الدولي لا تستطيع أن تغفل مصر، فإما أن تخضعها خضوعًا يصل لحد الاحتلال- أو الإخضاع السياسي كما نشهد جزءًا منه في هذه المرحلة وإن كان خضوعًا إراديًّا مرنًا- أو تناصب مصر العداء الذي ينتهي عادةً إلى السيطرة, وهذا هو السبب في أن استقلال مصر عبر التاريخ كان نادرًا، ولكن تأثير مصر على محيطها كان دائمًا كاسحًا.
والسؤال: هل يمكن إعادة بناء سياسة خارجية لمصر تكون قادرةً على القيام بدورٍ إقليمي وعالمي، وأن تكون طَرفًا في المعادلات الدولية مع القوى الرئيسية، وأن تقيم توازنًا معقولاً بين مصالحها الإقليمية وبين مصالح الدولة الأعظم في النظام الدولي؟.
أعتقد أن هذا السؤال لا يمكن أن يكون نظريًّا؛ لأن من السهل أن نحدد مقومات السياسة الخارجية لمصر بناءً على أولوياتها وعلى المزاج العام لشعبها؛ فمصر مهما تعددت مشارب أبنائها تنتمي إلى الكتلة العربية الإسلامية، كما تنتمي- بالجغرافية وإن لم يكن بالمزاج والثقافة- لأفريقيا, وتنتمي من ناحيةٍ ثالثةٍ لثقافة البحر المتوسط التي تتصل بخطوط تماسٍ كثيرة مع الغرب بكل ما يعنيه هذا التماس من صبغةٍ دينيةٍ وثقافية وسياسية.
ومصر- بمزاجها العام- تميل إلى الجنوب، ولكنها لا تعادي الشمال، فكيف يمكن تصميم سياسة خارجية لمصر تقوم على الموقع والعمق التاريخي والمصالح والآمال التي يعلِّقها المجتمع المصري على دولة يعتزُّ بتوجهاتها الخارجية، ويدافع عنها دون أن تحدد مصر موقفها الإستراتيجي من إسرائيل ومن الولايات المتحدة؟!.
عندما أُعلن في ندوة بباريس عام 1999م أن فرنسا ليس لديها سياسة خارجية في أفريقيا بحضور وزير الخارجية الفرنسي لم ينزعج الرجل، وإنما طلب توضيحًا وشرحًا لهذه النقطة، فأوضحت أن فرنسا لا تملك الأوراق اللازمة للساحة الأفريقية، وإنما يربطها بأفريقيا شوق قديم وعاطفة تاريخية، ولم تدرك فرنسا المتغيرات الكثيرة التي طرأت على الساحة الأفريقية، وغاية ما تملكه فرنسا هو الإعلان عن حسن النية ومصطلحات الشراكة والتعاون وغيرها؛ مما يبهج ولكنه لا ينتج, ولسوء الحظ فقد صدق ما توقعته في ذلك الوقت، بعد ذلك بسنواتٍ قليلة خسرت فيها فرنسا كل أفريقيا لصالح الولايات المتحدة، وتوشك الصين أن تغزو أفريقيا سلميًّا وتزيح النفوذ الأمريكي الذي يتوارى رويدًا رويدًا خلف الأفق.
وهكذا قُدَّر لنا أن نرى في جيلٍ واحدٍ أفول الإمبراطورية السوفيتية وبوادر زوال الإمبراطورية الأمريكية ومقدمات الانتشار الصيني عبر قارة آسيا المترامية الأطراف.. فهل تُدرك مصر أن القراءة الصحيحة للمشهد الدولي والمشهد الإقليمي لا يكفي لصناعة سياسة خارجية ناجحة.
وإنما يلزم- إذا توفرت لمصر مقومات القوة الداخلية والنظرة الإستراتيجية لبعض مفاصل العلاقات الخارجية مثل موقف مصر من إسرائيل- إقامة نظام ديمقراطي حقيقي يشعر فيه كل مواطن بأنه طرفٌ في عقد الاجتماع القومي، وليس رقمًا قوميًّا يُستدعَى من وزارة الداخلية، وأن يشعر فيه المواطن بأنه في وطن يحترم كل القيم التي نصَّ عليها الدستور تحت حكومة شفافة تتمتع بالكفاءة، وتنبو عن الفساد، وتعمل من أجل رفعة الوطن وأبنائه؛ ولذلك فإن تآكل الدولة نجَم عن تعاقب الحكومات التي لا تتمتع بكفاءة الإدارة، كما أن إقامة سياسة خارجية ناجحة يتطلب قرارًا سياسيًّا علميًّا متحررًا من كل المقايضات الشخصية أو السياسية أو أوهام السلطة، وأن يستعليَ على كل التَحيُّزات والتفضيلات الذاتية، وأن تضعه مراكز بحوث متخصصة، وألا يخضع للهوى والارتجال.
تلك هي مقومات السياسة الخارجية الناجحة لمصر لمَن أراد أن يُلقيَ السمع وهو شهيد.