في دراسات جادة وموضوعية يرى بعض الكُتَّاب والمحللون لبرنامج الحزب الذي صاغه الإخوان في قراءته الأولى أنه من غمط الحق ألا نلتفت إلى نقاط إجادة وتميُّز في البرنامج غابت في ظل ضجيج الحملة المعادية له، ومن أبرز هذه النقاط البرنامج الاقتصادي والبرنامج الخاص بالتعليم والبحث العلمي، وكذا الخاص بالصحة والدواء، والثقافة والإعلام، كما يرى البعض أيضًا أن حديثنا نحن أيضًا عن البرنامج اتَّخذ في الغالب جانب رد الفعل للدفاع عنه أمام المآخذ التي وُجِّهت إليه، ولم تأخذ جوانب التميُّز فيه حقَّها من العرض والتفصيل.
ومن المعلوم أن كل القوى الفكرية والثقافية والسياسية قد نظرت إلى برنامج حزب الإخوان من منظورها هي، وليس من منظور أصحاب البرنامج، وفي ذلك ظلم كبير للإخوان والبرنامج؛ إذ أغفل الكثيرون أن الإخوان المسلمين أصحاب دعوة ودعاة دين، وأن مرجعيَّتهم الرئيسية الإسلام ، وأنهم حتى ولو كانت السياسة جزءًا رئيسيًا ومكونًا من مكونات منهجهم إلا أن منطلقاتهم الإسلامية هي التي تتحكم في رؤيتهم وأطروحاتهم الفكرية والثقافية سواء في برنامج حزب أو أي منتج فكري وثقافي في كتاب أو محاضرة أو مشاركة في مؤتمر أو حوار أو نقاش أو مداخلة عبر وسائل الإعلام المختلفة والمتاحة.. إذن الإسلام في قضاياه الشاملة والكلية هو الهدف لهذا التجمع الإسلامي الذي نطلق عليه (جماعة الإخوان المسلمين)، وهو ما يسمَّى (هيئةً إسلاميةً شاملةً وجامعةً).
وإنه لمن الضروري بمكان أن تعبِّر الجماعة في كل منطلقاتها عن هويتها ومرجعيتها، ولا يجب أن تُطْمَس هذه الهوية ولا تتمحور هذه المرجعية لتظهر في قالبٍ يُرضي هذا أو ذاك؛ فالوضع فيه صدقٌ مع النفس وصدقٌ مع الآخر، كما فيه احترام للمبدأ ووفاء له وعدم الاغترار بغيره.
ويعجبني ما أشار إليه الدكتور حامد عبد الماجد في بحثه ونقده برنامجَ الحزب؛ حيث جاءت كتابته جيدة في جوانبها الفنية والمهنية؛ فهو عقلية سياسية بحثية أكاديمية لها احترامها وتقديرها، ويمكن في حال تجريد هذا البحث من القضايا والأفكار التي تتسم بالشخصانية والآراء الفكرية الخاصة أن تستفيد به اللجنة التي ستقوم بفرز الرؤى والمقترحات ذات الوزن العلمي والموضوعي؛ تحقيقًا للهدف من طرح البرنامج على جمهور النُخَب من المفكرين والمثقفين.
يذكر د. حامد في بحثه: (أما الخطاب السياسي والإعلامي العام الذي شارك في الزفة السياسية لإدانة الإخوان- مع الاعتراف بضرورة النقد والنقض- فالغالبية عابت عليها أنها لم تنطلق من أرضية هؤلاء الفكرية والسياسية، فالليبرالي واليساري والعلماني يريد أن يأتيَ برنامج الإخوان مقبولاً لديه، ومعبِّرًا عنه أولاً، وليعبر عن الإخوان بعد ذلك، والخبراء السياسيون والمحللون من أهل الاختصاص في هذا التيار ركَّزوا على الثلاثية المعلومة (الفقهاء- المرأة- الأقباط)، وغاب عنهم الغوص في الدلالات، وربما لطبيعة الكتابة الصحفية وسرعة تطور الأحداث.
ومن نقاط الإجادة والتميُّز التي حفل بها برنامج الإخوان ما يتعلق بقضية (الفقر)، وهي القضية التي تفرض نفسها في هذه الأيام على الرأي العام وساحة الفكر الإصلاحي والنُّخَب السياسية بصفةٍ خاصة، وما تقف أمامه الحكومة في حيرة حيالَ الدعم الذي تتكبده لدعم رغيف العيش وباقي الحاجات الأساسية، وكيف توجِّه هذا الدعم لمستحقيه، وهل يكون دعمًا ماليًّا أم عينيًّا ؟!.
وما نلحظه من تخبِّطٍ في سياسات معالجة مشاكل المُعوْزَين والفقراء الأكثر حاجة وذوي الدخول المحدودة، وبمعنى آخر من هم عند خط الفقر ومن دون هذا الخط .
يشير برنامج الإخوان- في عرضه لقضية الفقر- أن هذه القضية تمثِّل عقبةً أمام التنمية المتواصلة والشاملة ورفع معدلات النمو الاقتصادي، ويجب النظر إلى الفقر من منظور أوسع من انخفاض الدخل؛ إذ هو- بحق- الحرمان من القدرات الأساسية؛ حيث يجب التصدِّي لكلِّ هذه العوامل عند مناقشة المشكلة وارتفاع حِدَّتها وأنَّ تزايد أعداد المعوزين يُبْرِز ويقطع بعدم جدوى السياسة الاقتصادية للدولة حاليًا وبمسئوليتها عند تفاقم هذه الظاهرة، كما ترتبط هذه المشكلة في آثارها وعلاقتها بباقي الظواهر والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية في مصر بعدد آخر من الأمراض الاجتماعية وعلى رأسها البطالة والجريمة.
ويعتمد البرنامج للتصدي لمشكلة الفقر على أربعة محاور، نلخصها في الآتي:
1. التنمية: وضع خطة تنموية شاملة على مسارين: تنمية اقتصادية تُمَثَّل في زيادة الإنتاج والثروة القومية بما يزيد معدلات الدَّخل الفردي وعدالة توزيع الدَّخل القومي، وتنمية اجتماعية تتمثَّل في الارتقاء بمستوى الخدمات في التعليم والصحة وغير ذلك، مما يجعل نظرة الإخوان أكثر بعدًا وعمقًا؛ إذ المسألة تتجاوز النظر إلى قضية الفقر باعتباره انخفاضًا في مستوى الدخل الفردي إلى حزمة أخرى من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية... إلخ.
2. إشاعة قيمة التكافل الاجتماعي: وهي قيمة لها أصالتها في حياة المسلمين، وتتعمق هذه القيمة في وجدان الناس وقلوبهم بقدر عمق الحس الإيماني: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: من الآية 103) ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: من الآية 33).
3. إجراءات تشريعية: ضمان تطبيق القوانين الموجودة، واستحداث حزمة من القوانين، والدفع باتجاه طرح بعض التعديلات الدستورية تَدْعَم الدور الاجتماعي للدولة ومواجهة الفساد، واستحداث آليِّات جديدة من السياسات الاقتصادية والتنموية التي تضمن عدالة توزيع الثروة القومية؛ لتشمل كافة فئات المجتمع وليس فئةً أو طبقةً واحدةً فقط.
4. إجراءات عمليَّة تنفيذيَّة تهدف إلى إدخال أموال الصدقات والزكاة بأنواعها المختلفة لتمويل مختلف الأنشطة التي تَدْعَم برامج الرعاية الاجتماعية، وكذلك تأسيس الصناديق المتخصصة- صناديق تكافل- لجمع التبرعات الطوعيَّة اللازمة لعلاج هذه المشكلات إلى أن تأتيَ السياسات الاقتصادية والتنموية بثمارها في الجانب الاجتماعي، على أن يكون هناك دعم فنيٍّ وماديٍّ من جانب الجهات صاحبة الخبرة في القطاعين الحكومي والخاص في مجالات الأنشطة المجتمعيَّة المختلفة لهذه الصناديق سواء في صورة دعم إداري أو خططي وصولاً إلى الدعم المالي المباشر وغير المباشر.
وغنيٌّ عن البيان أن هذه الرؤى التي يطرحها الإخوان في برنامجهم لعلاج مشكلة الفقر ورفع مستوى المعيشة وتحسينها، والوصول إلى معدلات معقولة ومستويات من الحياة تحفظ على الناس كرامتهم، وتليق بآدميِّتهم، وربما تتقارب مع شبيهاتها من الاجتهادات والأفكار والرُّؤى من هنا أو هناك، إنما الذي يميَّز ما يطرحه الإخوان أن هذه التنمية الاجتماعية في مجالات الحياة المعيشية لا بد أن يسبقها أو يتوازى معها تنمية بشرية تهدف إلى صياغة حياة الناس صياغة جديدة، وتعيد التوازن في حياتهم بين الأمور الماديّة والمسائل الإيمانيَة والتربويَة، بحيث يُعاد النظر في منظومة القيم والمعايير، والعادات والتقاليد، والغايات والمقاصد، والأخلاق والسلوك بما ينبثق من الواقع الذي يُنْشِئُهُ الإسلام ويصطبغ بصبغته، وعند ذلك يَسْعَد الناس في حياتهم، ويرتفع مستواهم في كل مجالات الحياة بعدما تصالحوا مع أنفسهم وعادوا إلى ربهم بحبٍّ ورضا وإخباتٍ.
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (طـه: من الآية 123-124)، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 96)، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112).
وهكذا، فإن الحياة الطيِّبة التي يطلبها ويسعى إليها الإخوان- وفق برنامجهم المعروض والمطروح- تتحقق وفق خطَّيْن متوازيَيْن لا يُغْنِي أحدهما عن الآخر:
الأول: تشخيص المشكلات- ومنها مشكلة الفقر- وعلاجها موضوعيًّا وعلميًّا وفق المعايير الصحيحة والصائبة والناجحة.
الثاني: عودة الناس بالتربية والتعويد والتنشئة إلى ربهم، وتغيير ما بأنفسهم حتى يغير الله واقعهم إلى ما هو أفضل.
والله من وراء القصد.