![]() |
|
د. حسن نافعة |
تابعت باهتمام وقائع الجلسة الافتتاحية لمؤتمر أنابوليس، وحاولت الإصغاء جيدًا إلى الخطابات التي ألقيت لعلي أعثر فيها على ما يحيي الأمل في انطلاقةٍ جديدةٍ نحو التسوية، لكن ما إن انتهى الرئيس الفلسطيني محمود عباس من إلقاء خطابه حتى تذكرت على الفور ذلك الخطاب الشهير الذي ألقاه الرئيس أنور السادات في الكنيست منذ ثلاثين عامًا بالضبط.
وعلى الرغم من طول المسافة الزمنية التي تفصل بين الخطابين إلا أن المقارنة البسيطة بينهما تفضي إلى نتيجة واحدة: وهي أن العرب لم يتعلموا شيئًا ولم يستفيدوا شيئًا من أسلوب "إسرائيل" في إدارة الصراع، وأنهم ما لم ينتبهوا وتستيقظ عقولهم وضمائرهم فلن يمر وقت طويل حتى يكتشفوا أن قضيتهم صفيت.
وأنه لم يعد أمامهم سوى أن يسلموا "لإسرائيل" مفاتيح الهيمنة على المنطقة كلها من المحيط إلى الخليج، قد لا يجد البعض وجهًا للمقارنة بين خطاب أنور السادات في الكنيست في نوفمبر عام 1977م، وخطاب محمود عباس في أنابوليس في نوفمبر عام 2007م، وقد يكون ذلك صحيحًا من حيث الشكل والقدرة على التأثير.
فخطاب الرئيس السادات في الكنيست كان، من حيث الشكل، قطعةً أدبيةً رائعةً امتلأت بصورٍ ومعانٍ روحيةٍ ودينيةٍ وأخلاقيةٍ موحيةٍ ومؤثرةٍ؛ ولأن العالم كله كان ما يزال يعيش حالة ذهول انتابته منذ الإعلان عن مبادرة اعتبرها البعض حدثًا يشبه نزول أول إنسان على سطح القمر، فقد كان من الطبيعي أن يشد خطاب السادات انتباه الجميع، وهو لم يكن متاحًا عند إلقاء عباس لخطابه في أنابوليس.
ومع ذلك بدا التطابق واضحًا بين مضمون الخطابين والرسالة التي سعى كل منهما لتأكيدها وهي الحرص على سلامٍ شاملٍ ودائمٍ وعادلٍ وعدم الاستعداد لأي تسوياتٍ منفردة أو جزئية أو تفريط في الحقوق والثوابت، غير أنه ثبت أن الكلام شيء أما الفعل فشيء آخر مختلف تمامًا.
ففي الكنيست قال السادات عام 1977م: "إنني لم آتي إليكم هنا في القدس لكي أعقد اتفاقًا منفردًا، لأن أي اتفاقٍ منفرد بين مصر وإسرائيل أو حتى بين دول المواجهة وإسرائيل لن يحقق السلام الدائم والعادل في المنطقة كلها.. ولم آتي إلى هنا لكي أعقد معكم سلامًا جزئيًّا ينهي حالة الحرب في هذه المرحلة ثم نرجئ المشكلة برمتها إلى مرحلةٍ ثانية، فليس هذا هو الحل الجذري الذي يصل بنا إلى السلام الدائم.. ولم آتي إليكم تحت هذه القبة لكي أتقدم برجاء أن تجلوا قواتكم من الأرض المحتلة؛ لأن الانسحاب من الأرض المحتلة بعد 67 أمر بديهي لا نقبل فيه الجدل، ولا رجاء فيه لأحد أو من أحد، ولا معنى لأي حديثٍ عن السلام الدائم والعادل وأنتم تحتلون أرضًا عربيةً بالقوة المسلحة".
وبعد أن أكد أن "القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع، وأنه لا طائلَ من عدم الاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقوقه في إقامة دولته وفي العودة"، طرح السادات تصوره للسلام الدائم والعادل على النحو التالي:
1- إنهاء الاحتلال الصهيوني للأرض العربية التي احتلت عام 1967م.
2- تحقيق الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة.
3- حق كل دولة في المنطقة في العيش في سلامٍ داخل حدودها الآمنة عن طريق إجراءات يتفق عليه.
4- التزام كل دول المنطقة بإدارة العلاقات فيما بينها طبقًا للمبادئ والقواعد المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
5- إنهاء حالة الحرب، وربما يكون من المفيد أن نذكر الجميع هنا بأن الرئيس السادات لم يتحدث صراحةً في خطاب الكنيست عن "تطبيع العلاقات مع إسرائيل".
غير أن ما قاله السادات في الكنيست أمام عدسات التليفزيون شيء وما جرى وأملته موازين القوى السائدة على أرض الواقع في ذلك الوقت كان شيئًا آخر مختلفًا تمامًا؛ ولأن "إسرائيل" كانت تدرك جيدًا أن السادات ذهب إلى القدس بدون أوراق حقيقية، فلم تكن على استعداد لأن تقدم له هدايا مجانية، فهي تعلم أن السادات لم يهتم حتى بالتشاور المسبق مع الدول العربية حول مبادرته، وأن الأوراق التي صنعت نصر أكتوبر، والمتمثلة في العمل العسكري المنسق مع سوريا، وفي تضامن عربي مشترك تجلى على أروع صوره في استخدام جماعي للنفط كسلاحٍ سياسي، كانت قد تبددت كلها وذهبت أدراج الرياح، بل وكانت الجبهة الداخلية المصرية نفسها قد بدأت تهتز بسبب سياسة الانفتاح الاقتصادي من ناحية والآثار الارتجاعية الناجمة عن الطفرة النفطية الأولى من ناحيةٍ أخرى، وهو ما ظهر بوضوحٍ أثناء "انتفاضة الخبز" التي اندلعت في يناير من نفس العام.
ولأن السادات كان يعلم يقينًا (من خلال مقابلة جرت بين مبعوثه حسن التهامي وموشى دايان في المغرب قبل مبادرة القدس) أن "إسرائيل" ليس لديها ما تقدمه لمصر سوى معاهدة صلح منفرد، فلم يكن غريبًا أن يقدم على هذه الخطوة، بل ويقوم بتطبيع العلاقات مع "إسرائيل" حتى قبل أن تكمل انسحابها من سيناء.
وها هو محمود عباس، وبعد 30 سنةً بالتمام والكمال من خطاب السادات في القدس، يكاد يكرر ذات المشهد بحذافيره في الخطاب الذي ألقاه في الجلسة الافتتاحية للقاء أنابوليس؛ حيث طالب "إسرائيل" بأن يكون لديها "استعداد إستراتيجي للانسحاب من جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 بما فيها القدس الشرقية، وكذلك من الجولان السوري وما بقي محتلاً من الأراضي اللبنانية، وحل جميع قضايا الصراع الأخرى، خاصةً قضية اللاجئين الفلسطينيين من كافة جوانبها السياسية والإنسانية الفردية والعامة وفق القرار 194 كما أكدت عليه مبادرة السلام العربية وبمشاركة الدول العربية الشقيقة التي تستضيف اللاجئين وتحمل أعباءً متعددةً في هذا النطاق".
ولا جدالَ في أن عباس استهدف من تضمين خطابه فقرة كهذه تأكيد عدم نيته في التنازل عن أي ثوابتٍ تتعلق بحقوق الفلسطينيين، ومرةً أخرى الكلام شيء والقدرة على تحقيقه شيء آخر؛ ولأن عباس لم يذهب إلى أنابوليس وحيدًا مثلما فعل السادات حين ذهب للقدس، فربما يكون بوسعه الادعاء بأن وراءه عمقًا عربيًّا وإسلاميًّا يحمي ظهره ويدعم من موقفه التفاوضي، غير أن هذا النوع من الادعاءات هي مجرد أضغاث أحلام.
فالكل يدرك أن العالم العربي، والذي لم يكن ضعيفًا وممزقًا وعاجزًا في أي يومٍ من الأيام مثلما هو عليه الآن، سيق في الواقع إلى أنابوليس مثلما يُساق القطيع، والكل يدرك أيضًا أن شرعية أبو مازن نفسه في تمثيله للفلسطينيين تُثير شكوكًا لها ما يبررها في ظل الانشطار القائم حاليًا بين الضفة وغزة.
لذا لم يكن غريبًا أن يعامل الرئيس بوش ضيوفه من العرب والمسلمين باستهانةٍ واحتقار إلى درجة أنه لم يتردد في أن يعلن أمامهم جميعًا وبوضوح تام التزام الولايات المتحدة بأن تصبح إسرائيل "دولة يهودية".
فكيف يكون بوسع عباس أن يستعيد السيادة على القدس الشرقية بحدودها عام 67، وأن يضمن لكل راغبٍ من اللاجئين الفلسطينيين حق العودة إلى دياره وفقًا لنص القرار 194 في وقت تطالبه "إسرائيل" بالاعتراف بها كدولة "يهودية"، وتعلن الولايات المتحدة التزامها بالعمل على أن تجهل من إسرائيل "دولة يهودية"؟.
لا يحتاج الباحث الجاد إلى جهدٍ كبيرٍ ليكتشف أن نهج التفكير الذي قاد السادات منذ ثلاثين عامًا إلى الكنيست هو ذات النهج الذي يقوده عباس والحكام العرب اليوم إلى أنابوليس.
ورغم أن خبرة الأعوام الثلاثين الماضية تؤكد أن الحركة الصهيونية لم تكن في أي وقت من الأوقات جاهزةً لتسوية "دائمة وعادلة" بالمعنى الذي يتحدث عنه الحكام العرب، وأنها ماضية في طريقها لا تلوي على شيء لإقامة دولتها اليهودية الكبرى لتكون بمثابة الوكيل الوحيد المعتمد للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، إلا أنه ما تزال هناك شريحة من النخبة في العالم العربي تعتقد أن "إسرائيل" ليست هي المسئول عن تعثر جهود التسوية، وأن فرصًا كثيرةً للتسوية أتيحت في الماضي لكن العرب أهدروها كالعادة، مثلما سيهدرون الفرصة المتاحة حاليًا.
وليسمح لي هؤلاء أن أختلف معهم جذريًّا وأن أؤكد مرة أخرى على أنه لم تتح فرصة حقيقية لتسوية أهدرها العرب، اللهم إلا إذا كانوا يقصدون تسوية بالشروط الصهيونية؛ ولأن "إسرائيل" لم تكن جاهزةً من قبل لتسوية دائمة قبل استكمال مقومات الدولة الكبرى، فلم تكن مواقفها السابقة حول التسوية سوى مواقف مرحلية تعرف بالضبط كيف تتجاوزها حين تتاح لها الفرصة.
ورغم أن قناعتي لم تتزعزع بأن حكامنا العرب أساءوا إدارة الصراع مع "إسرائيل"، لكن ليس لأنهم أهدروا فرص تسوية دائمة (لم تتح في الواقع قط)، ولكن لأنهم لم يدركوا بما يكفي خطورة المشروع الصهيوني، وبالتالي لم يعدوا في مواجهته ما استطاعوا من قوة.
وفي تقديري أن حال العالم العربي سيظل ينتقل من سيئ إلى أسوأ إلى أن يدرك هذه الحقيقة، فالتسوية الدائمة والعادلة ليست ممكنةً إلا في ظل موازين قوى متكافئة على العرب أن يسعوا لتحقيقها أولاً.
---------------
* المصري اليوم 2/12/2007
