لم يكن مؤتمر خريف ميريلاند في مدينة أنابوليس ورطةً فقط لمن حضروه من العرب، ولكنه كان صفعةً مؤلمةً لمن ظنوا أنهم سيجنون شيئًا لصالح القضية الفلسطينية، حين أتحدث عن الهرولة العربية للمؤتمر فهي لم تكن من أجل القضية الفلسطينية ولا السلام المزعوم، بل كانت إرضاءً للسيد الأمريكي الذي أمرهم ونهاهم من بيته الأبيض.

 

أمرهم بالحضور دون تردُّد أو تخلُّف، بما فيهم الدولة التي كنا نظن أنها تتزعَّم الممانعة العربية: سوريا، فأجابوا فورًا، ونهاهم عن تأييدِ المقاومة أو فكِّ الحصار عن غزة، فلم يتردَّدوا أبدًا في تلبية الطلب.

 

قبل المؤتمر بشهور تردَّدت بعض الدول العربية- مثل مصر وسوريا- في حضور المؤتمر؛ بدعوى أنه ليس فيه جديد، ولن يقدم شيئًا سوى العلاقات العامة والتطبيع المجاني مع إسرائيل، غير أن السيدة رايس عنَّفت وهدَّدت بعض زعماء الدول العربية في ضرورة الاستجابة للمطالب الأمريكية، فتحوَّلت بوصلة هذه الدول في اتجاه واشنطن وبسرعة، على الرغم ربما من أنف بعض الدول التي ذهبت مرغمةً وليست قانعةً، لاحظ معي تصريح وزير الخارجية السعودي الذي قال فيه إن أيًّا من وزراء الخارجية العرب المشاركين في مؤتمر أنابوليس لن يصافح أحدًا من الإسرائيليين، وكانت وسائل الإعلام الصهيونية قد راهنت على هذه المصافحة، كإحدى أهم إنجازات المؤتمر لصالح إسرائيل.

 

وبما أن وزراء الخارجية العرب قد ذهبوا مرغَمين وليسوا قانعين، فقد تلقَّوا الصفعة بعد ورطة المشاركة؛ حيث لا طعم لهم ولا رائحة؛ حيث غاب دورهم تمامًا حتى لو من قبيل الترويج للمبادرة العربية التي داسها الكيان الصهيوني.

 

وعلى عمرو موسى أن يفسِّر للرأي العام العربي ما هو دوره في هذا المؤتمر؟ ولماذا شارك فيه؟ ولماذا لم نسمع صوته؟ وانظر للمحلل الصهيوني في جريدة ديعوت أحرونوت, ماذا يقول عن العرب؟! حيث استخفَّ سيفر بلوتسكر بمشاركة الدول العربية في "أنابوليس"، معتبرًا أن وجودها يسهم فقط في عدم التوصل لتسويات سياسية، ونوَّه إلى أن إسرائيل تحقِّق اتفاقياتٍ وتفاهماتٍ مع الدول العربية عندما تقوم بإجراء اتصالات ومفاوضات ثنائية فقط.

 

وشبَّه بلوتسكر الوفودَ العربية بـ"عرائس جئن لمغازلة عريس (أولمرت) برغم أنوفهن"، معتبرًا أن نتيجة المؤتمر باتت معروفةً؛ حيث سيتصلَّب الموقف الصهيوني، وتستغله الدول العربية في الدعاية، والنتيجة أن تنتهي العملية السياسية إلى مأزق.

 

واستخفَّ بلوتسكر بالسعي للتوصل إلى بيان مشترك أو وثيقة مبادئ مشتركة، قائلاً: "تاريخ النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني مليءٌ بمثل هذه البيانات.. الشعبان شبعًا منها".

 

وأشار المعلق الصهيوني إلى أنه "خلال الستين سنة الماضية لم يكن لدول النفط العربية مصلحةٌ على هذا القدْر من الشدة في منع اشتعال نزاع إسرائيلي- فلسطيني، مثلما لديها الآن، وهي تحتاج إلى الهدوء كي تدافع عن ثرائها الخيالي والتمتع به وبثماره".

 

وأضاف: "يحتمل أن ما لم يفعله العقل في الماضي سيفعله الآن الحرص على المال، وأن هذه الدول ستساعد على إحلال السلام.. من يدري؟! لعلنا نفرك عيوننا غيرَ مصدِّقين على مشهد سفير سعودي يقدم أوراق اعتماده لبيريز (الرئيس الإسرائيلي)"، على حد تعبيره.

 

لكنَّ محمود عباس كان أكثر الحاضرين تلقيًا للصفعة وعلى ما يبدو أنها كانت مدويةً، لدرجة أن الرجل ربما يفقد كل شيء من لا شيء راهن عليه في هذا المؤتمر؛ للأسباب التالية:

1- فشل المفاوضون الفلسطينيون في التوصل لوثيقة أنابوليس المزعومة قبل التئام المؤتمر مباشرةً مع الجانب الصهيوني، وكانوا يراهنون بقوة على هذه الوثيقة التي فشلت؛ بسبب إصرار الجانب الصهيوني على انتزاع اعتراف من الجانب الفلسطيني على يهودية الدولة الصهيونية حتى يسقط حق العودة، وربما بعد ذلك يقوم بطرد العرب المسلمين من فلسطين عام 1948.

 

2- حديث بوش في المؤتمر عن يهودية الدولة الصهيونية والهجوم على المقاومة الفلسطينية؛ الأمر الذي أكده أولمرت رئيس وزراء العدو الصهيوني في كلمته، إضافةً إلى تذكير بوش بتعهده الذي قطعه على نفسه لشارون عام 2004؛ أن لا عودة للاجئين ولا لتفكيك للمستوطنات الكبيرة من الضفة.

 

3- المظاهرات العارمة التي اندلعت في الضفة وغزة؛ ففي غزة سُمِحَ لمئات الألوف للخروج للتعبير عن رفضهم للمؤتمر، حتى بعض النخب المقربة من حركة فتح وأبو مازن سُمِحَ لها بالتعبير عن رأيها في تأييد المؤتمر، غير أن قمعًا غير مسبوق من جانب أجهزة عباس في الضفة أطاح بكل المسيرات السلمية المعارضة للمؤتمر هناك، من قِبَل معظم الفصائل الفلسطينية المعارضة، بل وقع عشرات القتلى والجرحى، واعتُقِل العشرات من المعارضين للمؤتمر، بل اعتُدي على عدد كبير من الصحفيين وصودرت كاميراتهم.

 

كانت تلك المظاهرات العارمة تمثِّل إفلاسًا لفريق أبو مازن ومجموعة أوسلو، التي تدَّعي أنها تفاوض باسم الشعب الفلسطيني؛ فإذا بالشعب الفلسطيني ينتفض في داخل فلسطين وخارجها ضد المؤتمر؛ مما يعرِّي الفريق الفلسطيني المفاوض في المؤتمر من أي مساندة شعبية ويكشفه بلا غطاء جماهيري يؤيده.

 

5- وعلى الجانب الآخر سمح الكيان الصهيوني بمظاهراتٍ ضخمةٍ لما يسمَّى باليمين المتطرف في القدس المحتلة وتل أبيب بالخروج بمظاهرات ضخمة تعارض المؤتمر، وعلى ما يبدو أننا لم نسمع عن أن الأمن الصهيوني تصدَّى بالرصاص للمتظاهرين، فأوقع العديد من القتلى والجرحى، واعتقل العشرات كما حدث في الضفة الغربية من قوات أمن عباس.

 

6- تأكيد أولمرت على عباس أنه لن يتفاوض في قضايا الحل النهائي، إلا بعد بسط سيطرة عباس على غزة والقضاء على الإرهابيين (يقصد حماس والجهاد).

 

7- عباس كان يأمل في الخروج من المؤتمر بأي جديد، أقول بأي جديد وليس بأي مكسب، حتى يروّج لإنجاز مع الجانب الصهيوني يتخذه ذريعةً لإقصاء حماس عن الساحة الفلسطينية؛ بدعوى أنها تقوِّض فرص التسوية مع الجانب الصهيوني، لكن هذا لم يحدث.

 

المشهد عبثي، وأولمرت يغازل العرب في المؤتمر، والمسئولون العرب والفلسطينيون جنبًا إلى جنب مع وزيرة الخارجية الصهيونية والمسئولين الصهاينة، وبوش يؤكد على التطبيع بين العرب و"إسرائيل" ويظهر ذلك جليًّا في غداء العمل؛ حيث يجلس الجميع على مائدة واحدة.

 

بوش وأولمرت ربحا كل شيء، وحقَّقا الأهداف كلها، من تطبيع مجاني صهيوني مع الدول العربية، وبناء حلف أمريكي صهيوني عربي لمواجهة إيران، ولم يخرج الفلسطينيون ولا العرب بأي شيء، بل انكشفوا وتلقَّوا الصفعة بعد أن سقط القناع مِن على وجوههم بعد سقوط أوراق الخريف في ولاية ميريلاند الأمريكية.