د. جمال نصار

انعقد مؤتمر السلام في أنابوليس في 27 نوفمبر، بدعوة من الرئيس الأمريكي جورج بوش لكلِّ الأطراف العربية والدولية المرتبطة بعلاقات مع الكيان الصهيوني المحتل، والهدف الواضح من هذا المؤتمر تركيع المنطقة العربية كلها لهذا الكيان الغاصب بمنطق العصا والجزرة، ونزع روح المقاومة من الشعب الفلسطيني وكافة الشعوب العربية؛ من أجل تهيئة الأجواء للتعنُّت والصلَف الصهيوني.
وعلى حدِّ قول السيد خالد مشعل- رئيس المكتب السياسي لحركة حماس- إن هذا المؤتمر: "لعبة خطيرة وتكتيكية؛ تهدف لتعزيز الانقسام الفلسطيني، وتكريس الانقسام السياسي والجغرافي، وإضعاف بنية وصمود الشعب الفلسطيني، وإفقاد المقاومة من التشكيلات والسلاح، ودعم أولمرت وتقويته، ودعم قيادات فلسطينية على حساب قيادات أخرى".
وبالنظر إلى كل المؤتمرات التي عُقدت في الفترة السابقة لأكثر من عشر سنوات بين السلطة الفلسطينية؛ ممثلةً في حركة فتح، والكيان الصهيوني برعاية أمريكية، لم تحقق أيَّ إنجاز على الأرض، والمستفيد الوحيد من كل هذه المؤتمرات هو الكيان الصهيوني، والخاسر الوحيد في هذه اللعبة هو الشعب الفلسطيني الصامد الذي ضحَّى بكلِّ غالٍ وثمينٍ من أجل نَيل حريته، وإزاحة الاحتلال عن أرضه.
ونجد في المقابل انحسارَ وانكماشَ الدورِ العربيِّ والإسلاميِّ لنُصرة القضية الفلسطينية، بل والسعي أحيانًا بكل الوسائل للتضييق على عناصر المقاومة الفلسطينية الأبيَّة، وعلى رأسها حماس، ونموذجُ غزة خيرُ دليلٍ على ذلك؛ من قسوة الحصار، والتضييق على الشعب الفلسطيني في الحصول على قوت يومه.
والسؤال المطروح في هذا السياق: هل حقَّقَت المؤتمرات السابقة ما يصبو إليه الشعب الفلسطيني وقواه الحية أم أن الواقع يشهد عكس ذلك؟! وهل سيحقق هذا المؤتمر خطوةً إلى الأمام أم سيرجع بنا خطوات إلى الخلف؟!
أتصور أن كل الأطراف المشارِكة في المؤتمر، بما فيها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، تراهن على مجموعة من المسائل لكسر حماس وإضعاف موقفها، وأبرز هذه الرهانات تكمن في:
1- الحصار الدولي والإقليمي على حركة حماس، وعدم امتلاكها قدرةً على التحرك السياسي في ظل التضييق الخانق على المدى البعيد؛ فالوضع الإنساني بغزة في حده الأدنى، ومسألة الرواتب والموظفين والعبور والخروج من وإلى القطاع، كلها مسائل تَشْهَد إرباكًا وإعاقةً مقصودةً، يشترك فيها النظام المصري كطرف أساسي؛ حيث يتولَّون إنجاحَ الحصار بإحكام إغلاق المعبر بالإضافة إلى "إسرائيل" والرئاسة.
هذا الحصار يُنظَر إليه على أنه محفِّزٌ للشعب في القطاع ليستنفرَ ويهبَّ في وجه حكومة حماس ولو بعد حين، وستشهد الأيام المقبلة ترتيبًا للأوراق من قبل حركة فتح تحديدًا وفصائل منظمة التحرير للقيام بأنشطة وفعاليات تأخذ الطابع السلمي، تهدف إلى وضع حماس في الزاوية، وإحراجها وحملها على تقديم التنازلات، كما من المتوقع أن تنشط بعض المجموعات بشكل منظَّم أو غير منظَّم في عمل العنف، والذي يستهدف رموزًا في الحكومة وحماس، وهو ما ينبغي لكل فصائل العمل الوطني الحيلولةُ دون وقوعه لخطورة نتائجه.
2- ضربات صهيونية واسعة وشديدة تستفيد من الأجواء التي يصنعها عباس، بتصريحاته ومواقفه الموجَّهة ضد حماس، هذه الضربات قد تأخذ من بعض أشكال المقاومة ذريعةً لضربات عنيفة ومتتابعة ضد حكومة غزة، تُعيد رجحان كفَّة الميزان لصالح حركة فتح؛ فإسرائيل قد تلجأ إلى اغتيالات موسَّعة ضد الشريحة القيادية السياسية والعسكرية والنقابية لحماس ومن يقف معها، بالإضافة إلى المقرَّات والمؤسسات الخاصة والعامة للحركة والحكومة.
وتحت مسمَّى الفراغ السياسي الناشئ تعود فتح والسلطة إلى سابق عهدها؛ لتحكم وتعيد ترتيب الأوراق وتنظيم الصفوف، وستسمح إسرائيل بإمداد غزة بمجموعة من القيادات الفلسطينية الجاهزة، والتي تعبَّأ وتُعدُّ لإكمال المواجهة مع حماس، بمعنى أن حِلْفًا مع إسرائيل من المرجَّح في هذه الحالة أن ينشأ على الأرض وبشكل أكثر سفورًا من أي وقت مضى، على الطريقة الأمريكية- العراقية التي تخوض المعارك سويةً في مواجهة قوى المقاومة العراقية.
3- تسليم أو استسلام حماس، بالعودة إلى الوراء تحت ضغط الواقع ومتطلباته الإدارية والسياسية والأمنية والاقتصادية، والتعويل في ذلك على ضغوط دبلوماسية تمارس من قِبَل الدول الإقليمية، وهذا ناتج عن شعور لدى الرئاسة الفلسطينية بأن حماس في مأزق كبير، وهي ضعيفة سياسيًّا، وإن بدت قويةً متماسكةً بنيويًّا في الوقت الحاضر.
وفي النهاية، أعتقد أن الوقت قد حان لموقف عربي جدّيٍّ وفاعل، يُنهي حالة الحصار المُميت الذي تعاني منه غزة، وأنه قد آن الأوان ليس للهرولة إلى لقاءات أو مؤتمرات أو اللهث وراء السراب، بل المطلوب الوقوف وقفةً جريئةً أمام ما يتعرَّض له الشعب الفلسطيني من اعتداءات يومية؛ ذلك أن هذه المقاومة هي حقٌّ كفَلَه القانون الدولي.
والدول العربية لا ينبغي أن تتفاخر بعدم إمدادها بالسلاح، بل عليها أن تتفاخر بالدعوة لتطبيق القانون الدولي، من خلال الوقوف بجوار المقاومة الفلسطينية المشروعة، والتأكيد على أهمية توحيد الصف الفلسطيني والعربي والإسلامي للدفاع عن قضية القدس؛ باعتبارها القضية الأساسية والمحورية، وأنها أهم من أي حوار خارجي، وأن الحوار الفلسطيني الفلسطيني أهم من الحوار الفلسطيني الصهيوني أو الفلسطيني الأمريكي!!