د. حلمي محمد القاعود

 

يُعبِّر الاهتمام الشعبي بحزب الإخوان المسلمين المقترح، وبرنامجه المطروح للمناقشة عن حالةٍ من الأشواق الوطنية، لحياةٍ حرةٍ كريمة، تقوم على العدل والمساواة والكرامة والتقدم والأمل، وما كثرة المناقشات، وتقليب مواد البرنامج المذكور إلا حالة من حالات الحِراك الفكري التي شدَّت كثيرًا من الكُتَّاب، حتى أولئك المعادين للفكرة الإسلامية وخصومها؛ لتحقيق هذه الأشواق.

 

هذا على كل حالٍ بشير خير، ويدل على أن الإسلام متغلغل في القلوب والنفوس، حتى لدى الذين يتعيشون بالهجوم عليه وإهانته وتشويه أعلامه ودعاته، واصطياد الجزئيات التي تصدر هنا وهناك للتشهير به وبتصوّراته ومعطياته، إعلاميًّا وصحفيًّا وداخل المؤسسات الثقافية والأدبية.

 

ويظل الهجوم الساخر الذي يشنه البعض- وخاصةً من اليسار المتأمرك- دليلاً من وجهة نظري على قدرة برنامج الحزب، مع المآخذ التي يأخذها عليه الذين طالعوه، وأنا واحدٌ منهم، على التحريك، وبث الحيوية، والنظر إلى المستقبل.

 

لقد كانت هنالك مفارقة ملحوظة، وهي ضخامة البرنامج على غير العادة، فهو يقرب من ثلاثين ومائة صفحة من القطع الكبير، وبه ستة أبواب تسبقها مقدمة، وتتصدره، وتعلو صفحاته الآية الكريمة: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ (هود: من الآية 88)، وهي الآية التي خاطب بها نبي الله شعيب- عليه السلام- قومه، بعد أن واجه صعوبات كبيرة في إقناعهم بالدعوة إلى التوحيد والتزام منهج الله، وإعراضهم عن قبول هذا المنهج، وهو ما يبدو اليوم قائمًا لدى النخب المتغربة التي تعترض الإسلام وتخجل منه، وترى أن النجاةَ في اللحاق بالغرب وقيمه وأفكاره، شرها وخيرها!

 

ضخامة البرنامج، تُوحي أنها دستور، مع لائحة شارحة، وليست مجرد برنامج يُفترض أنه يأتي على أحسن الفروض في ربع هذا الحجم، بحيث تكون مواده مختصرة، وتمنح المستقبل فرصة التكيف مع مستجداته ومعطياته التي لا تتوقف عن التغير والتحول، ولكن شاء واضعو البرنامج أن يكون مسهبًا وتفصيليًّا، وكأنهم أحسّوا أن هناك مَن يتربص بهم، ويحاول الاصطياد والتشويش على البرنامج كله، فراحوا يشرحون ويفصلون ويفسرون، ويبدو أن كثرة إلحاح النخب المتغربة على أن الإخوان المسلمين ليس لديهم برنامج لحل مشكلات المجتمع، دفع واضعي البرنامج أيضًا، إلى هذا التوسع في البيان والتوضيح لبرنامج الحزب المستحيل.

 

أيًّا كان الأمر فإن البرنامج أخذ زمام المبادرة، وألقى بالكرةِ في ملعب النخب، وخاصةً أهل الدنيا دون الآخرة، أن يواجهوا مقترحًا شاملاً وعريضًا لحلِّ مشكلات الوطن والنهوض به، وعليهم- شاءوا أم أبوا- أن يقولوا رأيهم، ويطرحوا ما لديهم؛ إزاء رؤية إسلامية تعانق أشواق الوطن والأمة، وتسعى ولو من خلال التعبير النظري، أن تقول شيئًا قد تأخذ به الأجيال القادمة، في ظل استبداد قائم لا يستجيب لمنطق العقل والحوار والتوافق، مفضلاً "النبوت" و"العضلات" و"المصادرة"، ويغوى نخبًا فقدت الرشد ببعض الفتات الذي لا يُسمن ولا يُغني من جوعٍ لتؤيده وتبارك ظلمه الفاضح لشركاء الوطن والتضحيات!

 

يعالج الباب السادس (النهضة الثقافية) قضية البناء الثقافي والبرنامج الإعلامي، وهذا الباب في حقيقة الأمر، هو مجال جماعة الإخوان المسلمين الأساسي، فهي مذ وجدت، مهمتها دعوية تثقيفية، هدفها شرح الإسلام وتحويله إلى سلوكٍ يلتزم به أعضاؤها، ويمارسونه في تعاملاتهم وأخلاقهم وإنتاجهم.

 

وقد أفاض هذا الباب في الحديث عن دور الثقافة التي تعكس هوية المجتمع وقيمه، وانطلاقًا من الهوية الإسلامية فإن الثقافةَ لا تُعبِّر عن وسيلة بناء وتنمية وتحضر، بل تمثل حائط صد لمحاولات النيل المستمر من خصوصية الشخصية المصرية المتميزة.

 

كما أشار إلى أن الحضارة الإسلامية وعاء جامع للجماعة المصرية دون إلغاء لدور المسيحية في مرحلتها التاريخية، وكنتُ أود أن يشير البرنامج إلى أن الإسلام يفرض على المسلمين الإيمان بالأديان السماوية الأخرى، والأنبياء والمرسلين من لدن المولى- عزَّ وجل- والكتب التي جاءوا بها في صورتها الصحيحة، بحكم أن ذلك من شروط الإيمان، دون أن يخص المسيحية وحدها بالإشارة؛ حيث كانت المسيحية في مصر تعبيرًا عن إيمان طائفة، وليس كل الطوائف، فمعظم المصريين قبل الإسلام كانوا وثنيين أو بغير دين، لكن السياق العام في مصر، كان يتقبل كل ما هو إنساني في الحضارات البشرية؛ ولذا تقبَّل المصريون جميعًا- نصارى وغيرهم- الإسلام الحضارة والدين؛ لأنه يُعيد إليهم الكرامة والاستقلال والحرية، بدليل أنه لم يُقضَ على هؤلاء ولا أولاء، بل تركهم جميعًا، وما يعتقدون، وبقي المجتمع الإسلامي في مصر يضم غير مسلمين حتى اليوم.

 

وتحدث البرنامج عن ضوابط إدارة الحياة الثقافية وأهمية الثقافة في تشكيل الفكر والوجدان، ويبدو أن واضعي البرنامج اكتفوا بالكلام عن طبيعة أو ماهية الثقافة التي يُفترض أن تسود المجتمع، دون أن يتحدثوا عن آلية تحريك هذه الثقافة وتوصيلها إلى الجمهور.

 

إنهم- أي واضعي البرنامج- تعاملوا مع الواقع الثقافي من خلال آلياته القائمة، وهي وزارة الثقافة ومؤسساتها ووسائطها، وهذه الآليات القائمة من الخطورة بمكانٍ؛ حيث أفسدت الثقافة بصفة عامة، وروجت لتيارات معادية للمجتمع وثقافته الإسلامية، وأقصت التيارات المؤمنة بالثقافة الإسلامية المتفتحة والمنطلقة، ويكفي أن تكون وسائط ونشاطات وزارة الثقافة قاصرة على مثقفي الحظيرة أو مثقفي السلطة، واليساريين المتأمركين، ومثقفي الارتزاق في كلِّ زمان ومكان.

 

إن إلغاء وزارة الثقافة كان ينبغي أن يكون على رأس بند إدارة الحياة الثقافية، مع تحويل مؤسساتها إلى آليات تحفظ تراث المجتمع وتصونه (دار الكتب والوثائق، الآثار، الترجمة في إطار خطة قومية..).

 

وفي الوقت ذاته، تنمى فكرة الجمعيات الثقافية والأدبية الأهلية التي تضم ذوي الأفكار المتشابهة، مع دعمها بميزانية معقولة إلى جانب ما يبذله أعضاؤها، وتترك لها حرية العمل والحركة، وهذا يضمن عدم احتكار تيار بعينه لحركة الثقافة في المجتمع، أو حرمان بقية التيارات المخالفة له، كما هو سائد الآن، وأيضًا يضمن تطهير الحياة الثقافية من الفساد السائد الآن، وإهدار أموال الدولة فيما لا طائلَ من ورائه.

 

قبل يوليو 1952م، قامت الجمعيات الثقافية والعلمية بدورٍ رائعٍ في إثراء الحياة الفكرية والأدبية وازدهارها، وما زلنا نعيش بعد نصف قرنٍ على حصاد وإنتاج هذه الجمعيات، ونواصل بإذن الله.

---------

* drhelmyalqaud@yahoo.com