كنت قد توقعت في زفة التعديلات الدستورية حالة العنف الحادث في المجتمع المصري الآن بفجور؛ اعتمادًا على هذه التعديلات؛ وذلك في مقالةٍ لي تحت عنوان "من حفر دستورًا لأخيه وقع فيه"، قلتُ فيها: (أثار انتباهي جزار يتحدث بصوت عالٍ مفسرًا ما فهمه من التعديلات الدستورية "يعني لو مخبر ما عجبهوش شكلي ممكن أبقى إرهابي!! ولا حد منهم عجبتو مراتي ألاقيه في بيتي من غير إحم أو دستور!! (طبعًا هو لا يعلم أن كل ذلك صار جزءًا من الدستور!)، عليَّ النعمة لادبحهم واحد واحد ويا روح ما بعدك روح"، طبعًا ده فهم راقٍ لمغزى التعديلات ببساطة ودون تفعيص المثقفين! وهو أمر وارد خاصةً إذا فقه رجال الداخلية بكل تصنيفاتهم هذا الأمر على أنه حق لهم واستغلوه استعباطًا أو ابتزازًا أو إجرامًا، وهو ما يُنذر بمواجهاتٍ لا يعرف أصحابها الصبر أو الاحتساب قد تضر باستقرار المجتمع الذي يحرص عليه الحزب الوطني دون حِراكٍ أو غضب!
وهذا على كل الأحوال من بشائر ما تعودنا عليه "فمن حفر لأخيه دستورًا وقع فيه" (اللهم آمييييييين)، ولعل حالة العنف غير المسبوقة التي نراها في المجتمع المصري وكثرة حوادث التعذيب والقتل في مراكز الشرطة، وفي شوارع مصر المحبوسة، تدل على منهجية الظاهرة؛ فهي وليدة تعليمات تمَّ تعميمها على كل إدارات الشرطة للتعامل بقوةٍ وبحسمٍ مع المخالفين دون طلبٍ لإذن نيابة أو خوفٍ من مراجعةٍ أو حساب!!
وطبعًا كل واحد وفهمه للتعليمات، وكل واحد من الجهاز وتفسيره لمعنى القوة والحسم أو تعريفه للمخالفين حتى لو كانت نظرة من فوق لتحت للباشا!!
وأسوأ ما حدث هو انتشار ظاهرة العنف داخل مدارس ومؤسسات التعليم بعد أن غاب عنها العلم والاحترام، وفقدت مبررات قيامها بالدور المطلوب منها في تعليم العلوم والآداب وتربية الشباب على القيم والمبادئ!! وهذه الجولة السريعة في الصحافة تدق ناقوس الخطر على حاضر ومستقبل أبنائنا الذين نرجو أن يكون زمنهم أفضل من زماننا الذي يتحكم فيه نظام الرئيس مبارك!!
نشرت جريدة "وطني" في 15 يوليو 2007م تقريرًا صدر عن مركز قضايا المرأة المصرية تحت عنوان "المدارس عنف وتهذيب وإصلاح"، موضحًا أن العنف زادت نسبته في مدارس مصر إلى 26% خاصةً في الوجه البحري بنسبة 71% ضربًا باليد أو بخرطومٍ بلاستيك أو بعصي أو بالحذاء أو بسماعة ميكرفون أو لكمًا في الوجه أو ضربًا على القدمين، وكان 40% منها بسبب الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية!!
وفي جريدة "البديل" نشرت دراسة مهمة حول العنف المدرسي تمَّ بمعرفة قسم بحوث الجريمة بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية في 3 أغسطس 2007م، يشير إلى تداعيات توشك أن تحول العنف بين طلاب المدارس إلى ظاهرة لو لم يضع صاحب القرار إستراتيجيةً تُمكنه من إقرار حلولٍ جذريةٍ لها لضبطها والتحكم فيها!! وتنبه الدراسة إلى جانبٍ من جوانب العنف في المدرسة المصرية يتمثل في أنه يكون أكثر انتشارًا خارج المدرسة من العنف داخلها!!
أما جريدة "الأهرام" فقد نشرت في 22 سبتمبر 2007م، تقريرًا عن الجريمة داخل أسوار المدرسة ذكرت فيه: "قام ثلاثة طلاب ثانوي بالتحرش جنسيًّا بمُدرِّستهم داخل فصل المدرسة بقصد إهانتها، والمؤسف أنه عند صدور قرارٍ ضدهم بالفصل النهائي تحايل مدير المدرسة ومدير اﻹدارة على القرار بنقلهم إلى مدارس أخرى وتهريب ملفاتهم إلى أولياء أمورهم".
"وعلى مستوى السلوكيات العامة تمت إحالة عددٍ من المدرسين والمدرسات إلى النيابة الإدارية بسبب تبادلهم السباب بألفاظ نابية وخادشة للحياء على مرأى ومسمع من التلاميذ وأولياء الأمور بما يبعد بالمدرسة عن دورها التربوي بل في إحدى وقائع العام الماضي اعتدت مجموعةٌ من المدرسات على ناظرة مدرستهن داخل مكتبها ضربًا بالشباشب".
"ولا تقتصر المخالفات على المدرسين ومديري المدارس، بل تمتد إلى أولياء الأمور، ففي إحدى المدارس اقتحم ولي أمر أحد التلاميذ الفصل وبصحبته نجله الأكبر وانهالا بالضرب على مدرس ابنه الصغير أمام التلاميذ وأحدثا به إصاباتٍ بالغة، وبدل من وقوف الإدارة التعليمية في صفِّ المدرس تمَّ نقله لعدة جهاتٍ وتهديده لقيامه بتحرير محضر شرطة بالواقعة، كما يكشف سجل النيابة عن مئات مخالفات الوزير لإلحاق التلاميذ بالمدارس قبل بلوغهم السن القانونية بمساعدة إدارة المدرسة" انتهى.
أما جريدة "نهضة مصر" فقد نشرت في 20 نوفمبر ما يلي: "في الوقت الذي تزعم فيه وزارة التربية والتعليم أن العملية التعليمية تسير بانتظامٍ ودون أي تجاوزاتٍ أو اعتداءاتٍ على التلاميذ، وأن الوزارة جرَّمت سلوك التعذيب، خرجت دراسة حديثة من المركز القومي للبحوث لتؤكد عكس ذلك تمامًا، وأوضحت أن العنف ضد التلاميذ يأتي في صورٍ عديدةٍ أهمها الشروع في قتل وهتك العرض والاغتصاب، وجاءت محافظات القاهرة والإسكندرية ووجه بحري في مقدمة المحافظات التي تنتشر بها عمليات تعذيب التلاميذ داخل المدارس سواء لإرغامهم على أخذ الدروس الخصوصية أو غير ذلك من الأسباب".
"كما طالبت الدراسة المسئولين عن العملية التعليمية بالإسراع لدراسة الأسباب والتصدي لعلاجها حتى يخرج جيل صالح يستطيع العمل في بناء الدولة ورقيها بدﻻً من أجيالٍ تعمل على نشر الرذيلة والفساد خاصةً في التقدم العلمي الذي ﻻ يسمح بالوجود إلى الدول التي تتوافر فيها الثروة البشرية القادرة على الإبداع والابتكار، ونوهت الدراسة بأن اعتداء مسئول بالمدرسة على مسئولٍ آخر أمام التلاميذ يُعطيهم القدوةَ في الخروج على النظام والعنف وعدم احترام بعضهم البعض، واحتلَّ ذلك المرتبة الأخير من صور العنف ضد التلاميذ".
هذه بعض عينات من كثيرٍ كُتِبَ عن أزمة التعليم المصري في جانبٍ واحد فقط هو الأمن والأمان وسيادة القيم التي اختفت وسط مناخٍ يشجع على العنف فانتشر بين أبنائنا وهم في عمر الزهور، فكيف يكون مستقبلهم؟!! والعجيب في الدراسات- وهي لا تملك غير ذلك- أنها تخاطب صاحب القرار وأولي الأمر رغم أن البادئ بالعنف في المجتمع هو نفسه المعني بحمايته والحِفاظ عليه وحراسة أمنه!!
النظام الذي استعان بالبلطجية كمرشدين وأسبغ عليهم الحماية كما فعل لخط الصعيد أو كحائط صد ضد حركة الجماهير في اتجاه صناديق الانتخاب لبثِّ الرعب في قلوب الرجال والسيدات معًا ممن استجابوا لنداء المشاركة!! أو عندما استعان بهم لتنفيذ مهام قذرة ضد المعارضين لنظام الحكم من مثقفين وصحفيين وأساتذة جامعات وطلاب بل وقضاة كنوعٍ من التأديب وكسر العين لخنق أي صوتٍ ووقف أي حركة تهدد مزاج المغتصبين لحكم مصر منذ عشرات السنين!! نظام انشغل بحماية الحاكم وبطانته على حساب غياب أمن الشعب وقلة راحته لهو نظامٌ جديرٌ بنشر ثقافة العنف والتزوير والنفاق داخل صفوف أبناء الوطن!!
هل يعني هذا عدم جدوى هذه الدراسات أم أنها فرصة لتسجيل مظاهر انهيار المجتمع المصري على يد العصابة الحاكمة؟!! هل يعني هذا أن الانشغال بتربية الأولاد في البيوت وسط الأسرة هو طوق النجاة وهو ما يجب أن تتوجه إليه التوصيات بدلاً من مناشدة غائبٍ إن لم يكن متآمرًا؟!! وهل يمكن أن نلغي تأثير المناخ الخارجي وحركة المجتمع وثقافته على تربية الأبناء وحسن نشأتهم؟!!
طبعًا الدراسات مطلوبة للتصحيح أو التأريخ! ومناشدة أولي الأمر واجبة عسى أن نرى فيهم رجلاً يحب مصر! وتأثير المجتمع غلاب لا شك في ذلك، وهو ما يستوجب تغيير هذا المناخ حرصًا على حاضرنا ومستقبل أبنائنا! لذا فتغيير هذا النظام للأفضل صار فرض عين على كل قادرٍ بالصورة السلمية التي ارتضيناها جميعًا وسلاحنا في ذلك النية الخالصة لله لإنقاذ الوطن والوعي اللازم لمعرفة الواقع وآليات الحِراك الصحيح والهمة التي توفر قوة الاحتمال والصبر على ردود الأفعال الغبية للنظام الفاسد المستبد!
إن حماية الوطن وأبنائه من حكامه لا شك أنها من الابتلاءات، وأنها مهمة جسيمة الأحمال ثقيلة الأعباء طويلة النفس.. نسأل الله أن يعيننا على تحمُّل مصاعبها ومشاقها ترغيبًا وترهيبًا وسبحانه وتعالى من وراء القصد هو نعم المولى ونعم النصير.
وصدق الشاعر إذ قال:
أصار الكفر والتغريب علمًا *** وصار العرى والبالي فنونا
فللفساق قد فتحوا ملاهي *** وللعباد قد فتحوا سجونا
فبعضُ إن تفرنج قيل مرحى *** وآخرَ من تدينه أهينا
مباحٌ أن ترى فخذًا ونهدًا *** ويحرمُ أن ترى جسدًا مصونا
وما هذا التطرفُ غير رفضٍ *** لعلمانيةٍ نشرت مجونا
ترون منابر الآراء عنفًا *** أليس العنفَ قتلُ الواعظينا
وما الإرهاب إلا رد عنف *** على قهرٍ رعاه الحاكمونا
أيا عرب التخلف هل وعيتم *** من النكبات درس الذاكرينا
فمَن رام الحياة بغير فكرٍ *** تبدد في عواصفها طحينا
---------