منذ أن أُعلن عن مؤتمر أنابوليس والذي حجبت كل المعلومات عنه حتى الآن، اعتقد المراقبون أن هذا المؤتمر ليس جديًّا ولم تتوفر له مظاهر الجدية من وجهة النظر العربية، ولما كانت واشنطن قد عقدت المؤتمر لصالح الكيان الصهيوني بشكلٍ أساسي ولديها صلاحية تحديد المشاركين فيه، فقد بدا أن هذه الرخصة قد تُستخدم ضد سوريا ما دام المؤتمر الذي اتخذ لنفسه عنوانًا عريضًا، وهو السلام في الشرق الأوسط ثم تواضعت الآمال فيه وقلل المنظمون من أهميته، وقد تضغط واشنطن على سوريا بورقة حضور المؤتمر.

 

والملاحظ بدقة للأخبار المتناثرة في المنطقة العربية بشأن سوريا والكيان لا بد أن يلحظ أمرين واضحين؛ الأول هو شعور سوريا بالقلق بسبب عزلتها في العالم العربي، خاصةً مع انقسام العالم العربي إلى معسكرين للمعتدلين والمتطرفين، وازدياد الضغوط الدولية والعربية عليها في كلِّ الملفات العربية التي أصبحت إيران الطرف الرئيسي فيها؛ ولذلك فإن سوريا تريد أن تكسر هذه العزلة وهي تدرك جيدًا أن واشنطن هي التي فرضتها، وأن كسر هذه العزلة يبدأ بالتفاهم الأمريكي- السوري.

 

الأمر الثاني، هو محاولات الكيان الصهيوني وأمريكا المستميتة لكسر التحالف الرباعي الذي يضم إيران وسوريا وحزب الله وحماس، والذي يُطلق عليه أحيانًا معسكر الممانعة العربية، أي عدم القبول أو الخضوع للرغبات الأمريكية والصهيونية، وقد لُوحظ خلال الشهور الماضية أن الكيان يتجه إلى خيار تحاول تجربته بعد دراسةٍ عميقة، وهو أن كسر التحالف الرباعي الذي يسبب قلقًا بالغًا للكيان ويعرقل المشروعات الصهيونية والأمريكية يتطلب استمرار الضغوط الأمريكية على إيران، وفي نفس الوقت لين الجانب اتجاه سوريا حتى يمكن انتزاع سوريا من التحالف، وهو إن حدث، فإنه يعتبر المدخل إلى تعديل الخريطة السياسية للمنطقة.

 

وقد سبق أن عرضت على سوريا صفقة بدت في سخائها درجة الخيال في ضوء ما هو معلوم عن التفكير الصهيوني، والصفقة تتضمن التفاوض مع سوريا، ووضع سقف لهذا التفاوض يصل إلى حد إعادة الجولان بالكامل نزولاً إلى ما هو أدنى من ذلك، أما المقابل المطلوب من سوريا فهو فك التحالف مع حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان، وإيران، أي إعادة النظر في السياسات السورية في هذه الساحات الثلاثة؛ وبذلك تصبح سوريا من دول الاعتدال العربي وتندمج في الساحة العربية بعد أن ظنت واشنطن أنها أبعدتها إبعاد البعير المعبدِ، على حدِّ قول طرفة بن العبد.

 

يترتب على ذلك أن تتخلى سوريا عن الساحة اللبنانية، وتترك حزب الله لمضاعفات هذه الساحة التي تلقى واشنطن وتل أبيب بثقلهما فيها، فيتم تطبيع العلاقات بين لبنان و"إسرائيل"، أما في فلسطين فتترك حماس لأقدارها بعد تقطع تحالفاتها، مما يضرب السياسة الإيرانية في الساحتين الفلسطينية واللبنانية في مقتل بعد أن استحال على "إسرائيل" أن تحقق أي نصرٍ فيهما ولو بالاستعانة بأطراف محلية.

 

والحق أنه من الصعب رفض هذا العرض جملةً وتفصيلاً، على أساس أن سوريا تفهم تمامًا أن جوهر المشكلة في لبنان ليس الحريري وإنما هو حزب الله، وأن تسوية العلاقات السورية الأمريكية هي الخلفية الأساسية لدورٍ سوري في الإقليم، كذلك تدرك سوريا أن موقعها في التحالف الرباعي هو الحلقة الرئيسية وبغيرها ينهار التحالف، فتذبل الأطراف الوطنية العربية، وتعجز إيران عن التواصل في هذه الملفات؛ ولذلك فربما تشعر سوريا بأن ما تعانيه من ضغوطٍ أكثر مما تحصل عليه خاصةً أنها تريد الجولان التي تتعرض بسببها للكثير من الغمز واللمز من العالم العربي، وهي لا تستطيع أن تعيدها سلمًا أو حربًا بمفردها، وربما دافع البعض عن السادات إزاء الانتقادات السورية بأنه بذل الممكن، وهو الصلح مع العدو الصهيوني في سبيل ما كان مستحيلاً وهو بقاء الأراضي المصرية محتلة، وربما قدرت سوريا أن هذه المكاسب المتوقعة هي مكافأة صمودها انتظارًا لتحسين مقدار المكافأة.

 

على الجانب الآخر، تدرك سوريا قطعًا أن هذا العرض ليس مضمونًا، وأن خروجها من التحالف الرباعي، خاصةً المحور السوري الإيراني الذي صمد لكل التطورات والتحولات طوال ربع القرن الماضي، سوف يؤدي إلى أضرار فادحة بالمصالح القومية السورية المباشرة انطلاقًا من لبنان، وفي الشارع العربي، فكيف قرأت سوريا الدعوة لحضور مؤتمر أنابوليس؟.

 

إذا كانت سوريا تدرك كل هذه الحقائق، وأن مصلحتها الحقيقية تكمن في مواقفها الحالية، وأن ما يُقدَّم لها مجرد سراب كلما اقتربت منه حسبته ماء وما هو بماء، ولكنه فخ يُنصَب لها ولا أظن أنها سوف تبتلع هذا الطُّعم بسهولة، فإن مشاركتها في مؤتمر أنابوليس رغم انتقاد أطراف التحالف الرباعي للمؤتمر نفسه ربما يكون جزءًا من الهامش المتفق عليه، وأن حضورها المؤتمر قد فسرته بأنه هزيمة لمحاولات عزلتها وإقرار بفشل هذه المحاولات، وأن ظهورها في المؤتمر دليلٌ على عدم جدوى تجاهلها، وفي نفس الوقت فإنها سوف تستمع إلى ما يهمس به الآخرون لها، ثم تقوم بدراسة الموقف على ضوء تقديرها للمعطيات الماثلة أمامها.

 

وقد أدَّى حضور سوريا المؤتمر إلى اعتقاد بعض المراقبين بأن واشنطن قد نجحت في استدراج سوريا إلى ما فشلت في تحقيقه بالتهديد، وأن هذا الحضور هو بداية الشرخ للتحالف الرباعي فيسهل بعد ذلك ضرب حزب الله وحماس، كما أن هذه الخطوة تساعد في تهيئة الأجواء لضربة عسكرية ضد إيران، ولكننا لا نرى بأسًا من حضور سوريا، كما أننا لا نعتقد أن هذه الوعود الزائفة سوف تصرف سوريا عن حقيقة الموقف الذي يُراد جرها إليه، دون أن تُضحي سوريا بمجرد الحضور بتحالفها الرباعي، وهذا هو السبب في انخفاض مستوى التمثيل السوري في المؤتمر.

 

وعلى أية حال، فإن وزيرة خارجية الكيان قد صورت مؤتمر أنابوليس على أنه تعزيز لجبهة السلام والاعتدال ضد جبهة التطرف والإرهاب، دون أن تدرك أن الكيان الصهيوني هو قوة الإرهاب والتطرف، ولا نظن أن سوريا تخشى كثيرًا من هذا التصنيف، ولكننا على يقين من أن تحول سوريا إلى معسكر الاعتدال سوف يكون أكبر انتصار للدبلوماسية الأمريكية خلال عقود، وربما لا يدانيها في الأهمية سوى معاهدة الصلح بين مصر والكيان التي كانت البداية الحقيقية لمؤتمرات السلام التي تبيع الأوهام لأجيال العالم العربي.