تحتل قضية العلاج والتأمين الصحي أهميةً قصوى في حياة المجتمع المصري؛ وذلك نظرًا لما يحيط بمجتمعنا من أمراض خطيرة ومتوطِّنة كانت لعهد قريب نعدُّها من النوادر، ومن نتائجها زيادة عدد مرضى الأورام السرطانية بمختلف أنواعها، ومرضى الالتهاب الكبدي الوبائي (فيروس سي)، وضحايا أنفلونزا الطيور، وذلك كله بخلاف زيادة عدد مرضى السكر والضغط وأمراض القلب وغيرها.
وبدايةً، فإنني أرى أن نرجع إلى الهدف النبيل الذي من أجله أنشئت الهيئة العامة للتأمين الصحي طبقًا للقانون.
(أ) هدف الهيئة العامة للتأمين الصحي
صدر قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة رقم 1209 لسنة 1964م في شأن إنشاء الهيئة العامة للتأمين الصحي وفروعها للعاملين في الحكومة ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة والمؤسسات العامة، ووفقًا لما ورد في المادة (2) الفقرة الثانية، ولها في سبيل ذلك القيام بما يأتي:
- تقديم الرعاية الطبية للمؤمَّن عليهم طبقًا للأوضاع والمستويات المقررة.
- إنشاء المستشفيات والعيادات الشاملة وغيرها من المؤسسات العلاجية وتجهيزها وإداراتها.
- استئجار المستشفيات أو غيرها من المؤسسات العلاجية وكذا التعاقد معها لتحقيق أغراضها.
- التعاقد مع الممارسين العامين والأخصائيين وغيرهم من أرباب المهن المرتبطة بمهنة الطب وتحديد المرتبات والأجور والمكافآت الخاصة بهم.
- توفير الأدوية والمستلزمات الطبية للمؤمَّن عليهم، بما في ذلك إنشاء العيادات الخاصة بها، وعقد الاتفاقات مع الصيدليات الأخرى.
- عقد الاتفاق مع معاهد التأهيل ومعامل التشخيص وأخصائي الأشعة.
- صرف الأجهزة التعويضية على النحو المبيَّن في اللائحة التنفيذية، وذلك كله في حدود السياسة العامة التي يضعها المجلس الأعلى للتأمين الصحي.
وإذا ما راجعنا الآن هذا الهدف ومستوى الخدمة الذي يتم تقديمه للمنتفعين، فإننا نشهد تراجعًا كبيرًا في مستويات الخدمة، يشهد بها القاصي والداني، بل ويشهد بها الوزراء ورجال الحكم في مصر.
وبنظرة سريعة على تطور عدد وفئات التأمين الصحي- حسب البيانات الصادرة من وزارة الصحة المصرية- نجدها كما يلي:
(ب) تطور أعداد المنتفعين بالتأمين الصحي


(ج) تطور أعداد المنتفعين في كل نظام (2004- 2006)

مصادر البيانات: موقع وزارة الصحة المصرية على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) ttp://www.mohp.gov.eg/ فإذا كان عدد المنتفعين قد زاد طبقًا للإحصاءات السابقة حتى ليكاد يقترب من نصف عدد السكان؛ لذلك فإن المخاوف التي تنتاب الكثير من أولي الرأي والاهتمام بالقضايا العامة بشأن محاولات الحكومة لخصخصة التأمين الصحي تصيب الكثير بالهلع والقلق على مستقبل صحة المواطن في زمن يتم فيه بيع كل شيء وأي شيء من القطاع العام إلى البنوك إلى الهواء ومطروح أيضًا بيع المياه للفلاحين.
ورغم نفي الحكومة أية نية لخصخصة التأمين الصحي، إلا أنه صدر قرارٌ بشكل سري بتحويل هيئة التأمين الصحي ومستشفياتها وعياداتها إلى شركة قابضة تسمى "المصرية القابضة للرعاية الصحية" تتخذ شكل الشركات المساهمة، ويكون لها أن تنشئ شركات تابعة لمباشرة نشاطها، وهو ما أثار جدلاً بين المتعاملين في الوسط الطبي والعاملين فيه؛ باعتباره البداية الحقيقية لخصخصة قطاع الصحة في مصر، وقد تم صدور القرار ونشره في ملحق الجريدة الرسمية بعدد 21 مارس 2007م، أي في نفس يوم صدوره.
ثم تتابعت الأمور بشكل سريع، من حيث شكوى الحكومة من سوء الخدمة في التأمين الصحي، وضعف مرتبات الأطباء والعجز الذي يحققه قطاع التأمين الصحي والأعباء التي يضيفها كل عام على ميزانية الدولة؛ حتى تم إعداد مشروع القانون المقدم من السيد رئيس الجمهورية، ثم صدور النسخة الثانية منه الصادرة بشكل مبدئي أيضًا من إدارة الفتوى والتشريع بوزارة العدل؛ لعرضه على لجنة الصحة بمجلس الشعب، ثم على أعضاء المجلس بعد ذلك لإقرار القانون.
وأهم الملاحظات على مشروع القانون المزمع تقديمه إلى مجلس الشعب كما نراها هي:
1- أن أهم مقومات المشروع الجديد هو فصل التمويل عن الخدمة الصحية والإدارة، ولكن حقيقة ذلك يرجع بالأساس إلى مشروع الإصلاح الصحي الموقَّع عام 1997 بين وزارة الصحة والمانحين الأجانب "هيئة المعونة الأمريكية- البنك الدولي- الاتحاد الأوروبي"، والذي ينص على الحد من دور هيئة التأمين الصحي ووزارة الصحة في تقديم الخدمة العلاجية والتركيز على شرائها من القطاع الخاص.
2- أن أصول التأمين الصحي من مستشفيات وعيادات وصيدليات ومراكز الغسيل الكلوي وغيرها، والتي تتجاوز قيمتها أكثر من تريليون جنيه، ليست ملكًا للدولة، وإنما تعود ملكيتها للمنتفعين الذين بُنِيَت تلك المؤسسات من أموالهم المخصومة من مرتباتهم، والاستيلاء عليها يُعَدُّ أمرًا غيرَ دستوري.
3- خصخصة الخدمات الصحية يرفع تكلفة الخدمة على المؤمَّن عليهم؛ نتيجة تحويل الخدمة إلى سلعة وتحميلها بعبء القطاع الخاص، وهو ما يعني استبعاد بعض الخدمات من حزمة الخدمات المقدَّمة حاليًّا.
4- مشروع القانون الجديد يحول المستشفيات وهيئة التأمين الصحي إلى هيئات لتوظيف الأموال، كما لا توجد أي رقابة على الهيئة المقترحة خلاف وزير الصحة ممثل الحكومة، بينما يغيب تمامًا الإشراف المجتمعي عليها، وكذا دور المستفيدين الذين يسهمون بنحو 68.17% كاشتراك لتمويل الهيئة.
5- مخالفة نصوص المشروع المقترح للدستور في المواد الثانية والرابعة والثامنة، وهو ما يحتاج لتفصيل آخر وفي مقال تال.
6- مصر هي الدولة الوحيدة في العالم التي تسعى نحو تحرير الخدمات الصحية، على الرغم من أن اتفاقية "الجات" لا تنص على تحرير الخدمات الصحية.
7- الرقابة الوحيدة على الأسعار والخدمات المقدمة من سلطة الوزير المختص.
8- تحوُّل الخدمات الصحية إلى استثمار يعني أيضًا دخول أطباء من جنسيات أخرى (الهند- باكستان) سوق العلاج في مصر، وفي ظل انهيار أوضاع التعليم الطبي والبطالة المنتشرة بين الأطباء المصريين، فإن الوضع بالتأكيد سيزداد سوءًا.
وبناءً على ما سبق فإننا نرى أن يتبنَّى المجتمع المدني وأعضاء مجلس الشعب المطالب التالية لضمان حدٍّ مناسب من الخدمات الصحية لهذا الشعب:
1- تحديد حزمة الخدمات الصحية المقدمة وشمولها لكافة أنواع الرعاية الصحية.
2- تحديد مستويات الجودة لكل مستوى من مستويات العلاج.
3- تحديد الجهات الرقابية التي يتقدم إليها المنتفعون في حالة قصور الخدمات الطبية.
4- وضع تعريف دقيق ومحدد لمحدود الدخل؛ حتى يتم التعامل معهم على هذا الأساس من حيث الاشتراكات ومستويات الخدمة.
5- ضرورة تحديد قيمة اشتراكات ومساهمات المؤمَّن عليهم بمعرفة جهات أخرى غير وزير الصحة المشرف على الخدمة.
6- تشديد العقوبات في حالة تدني مستوى الخدمة الصحية عن المستوى المتعاقد عليه.
وختامًا.. فإننا نأمل في وطن يتمتع مواطنوه بخدمة صحية إنسانية، ترقى لمستوى وتاريخ الحضارة المصرية العظيمة.
------------
* دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية.