تتعدَّد الأيدلوجيات والمرجعيات في كل مجتمع بشري وربما تتصارع الأفكار والمذاهب ردْحًا من الزمان طال أم قصر، ثم تُحسَم لصالح أحد المذاهب، حين يرى المجتمع والشعب أن هذه الأيدلوجية وهذا المذهب هو الأصدقُ في التعبير والطرح والممارسة والتطبيق، وليس معنى انتصار أي مذهب أن تموت الأفكار الأخرى أو تنعدم أو تختفي مطلقًا، ولكنها تضعف بشكل واضح، وينعدم تأثيرُها.
فالأفكار عادةً لا تموت، وإنما تقوَى حينًا وتضعُف حينًا آخر، وإنما معنى الانتصار أن تسود الأيدلوجية قطاعاتِ الشعب باختياره عن قناعة وإيمان، وحتى تختبر هذه الأيدلوجيات لا بد أن يكون المجتمع حرًّا، فلا توجد قيودٌ على حرية الرأي والتعبير والتنظيم، فإذا أردت أن تختبر مدى قناعة الشعب بالفكر السياسي الإسلامي، فلا بد من إزالة العوائق والمتاريس أمام الممارسات السياسية، بمعنى لا بد من:
- إلغاء القوانين المقيِّدة للحريات العامة، مثل: قانون الطوارئ وقانون الاشتباه.
- إطلاق حرية تكوين الأحزاب بمجرد الإخطار.
- رفع القيود على امتلاك وسائل الإعلام.. صحف، قنوات فضائية.. وإلغاء الرقابة عليها.
- إلغاء حبس الصحفيين؛ فمِن حقِّ كلِّ صاحب رأي أن يُبدِيَ رأيَه بلا محاكمة أو ملاحقة.
- استقلال القضاء استقلالاً تامًّا، بعيدًا عن أي هيمنة للسلطة التنفيذية متمثِّلةً في وزير العدل.
- حرية إنشاء الجمعيات والمؤسسات المدنية دون سيطرة من الشئون الاجتماعية، وتنشأ بمجرد الإخطار.
- عدم تدخل السلطة التنفيذية في أي انتخابات فئوية.. طلاببة وعمالية.
إذا حدث ذلك فسوف يظهر بوضوح وجلاء أيُّ المذاهب السياسية التي يتبنَّاها الشعب.
ولما كان النظام يدرك تمامًا أن الشعب سوف يختار المذهب السياسي الإسلامي، ويختار- عن قناعة وإيمان- رموزَه في كافة القطاعات، ففي مجال الطلاب يتم تزوير الانتخابات، ومنع طلاب التيار الإسلامي من حق المشاركة والممارسة؛ لإيمان النظام بأنه غير قادر على المنافسة، ولا يستطيع الانتصار؛ لأنه فقدَ المصداقية والشفافية، وكذلك النقابات المهنية، يفرض عليها الحراسة ويعطّل الانتخابات فيها، ويزوّر الانتخابات تشريعية، ويسنّ مواد مثل المادة (5) كمحاولة منع تيار الإخوان المسلمين من استخدام شعاره، مع أنه حق أصيل ودستوري وفق المادة (2) التي تقول: دين الدولة الإسلام، ولغتها الرسمية هي اللغة العربية، ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، أي أنَّ للدولة دينًا يشكِّل مرجعيتَها، فلا ينبغي أن تخالفه، وأنه هو الأيدلوجية السائدة في المجتمع.
والأيدلوجية تشكِّل المرجعية للقيم والأخلاق؛ فهي معيار الخير والشر، ومعيار الحق والباطل، ومعيار الفضيلة والرذيلة، فهل في الواقع التطبيقي يراعي النظام ذلك مثلاً في سَنِّ القوانين أو في تفعيل أدوات الرقابة في كل ما يخالف القيم والأخلاق الإسلامية؟!
معنى أن دين الدولة الإسلام أنه يشكِّل المرجعيةَ ليس فقط في القيم والأخلاق ولا في التشريع فحسب، وإنما أيضًا في العلاقات الدولية الخارجية.. المرجعية في تحديدِ العدوِّ والصديق، في المعاهدات، في الاتفاقيات، في التعاون المشترك بيننا وبين الغير؛ فلا يصحُّ أن نُبْرِمَ اتفاقًا منفردًا بيننا وبين العدو؛ مما يؤثِّر بالسلب على بقية الأقطار العربية (فلسطين- سوريا).
لا يصح أن نُصَدِّرَ الغازَ الطبيعي لإسرائيل بأقل من ثمنه الذي نبيعه للمصريين ولا نصدِّره للفلسطينيين..
لا يصح أن نبيع الأسمنت والحديد لبناء الجدار العازل جدار الفصل العنصري..
لا يصح أن نعترف بإسرائيل وهي تحتل مقدساتنا الإسلامية وأراضينا العربية الإسلامية؛ فهي وقف إسلامي لا يجوز لحاكم أو محكوم ولا لفرد ولجماعة التنازل عن أي شبر فيها..
فإذا كانت المادة (2) تقول: دين الدولة الإسلام؛ فينبغي أن يكون للإسلام المرجعية في السياسة والاقتصاد والثقافة والقيم والأخلاق والعلاقات الدولية الخارجية، وتطبيق أحكام ومبادئ الشريعة في كافة مناحي الحياة، وعندها سوف يتغيَّر حالُنا من أسوأ حال إلى أفضل حال، فكما يقول الدكتور مصطفى أبو زيد فهمي: "إذا كانت الأنظمة السياسية قد رأت العديد من الأيدلوجيات عبر التاريخ، فإن واحدةً منها لم تفعل في الحياة البشرية من التقدم الإنساني المذهل ما فعله الإسلام.
وإذا أردت أن تتصوَّر ما لهذه العقيدة من قوة دافعة هائلة تتضاءل أمامها كل قوى أخرى عرفتها البشرية حتى الآن، فلنرجع البصر إلى أربعة عشر قرنًا مضت، وحينئذٍ سوف ترى الأمة الإسلامية قبائل متفرقة، تعيش في جاهلية تامة في شبه الجزيرة العربية، وحولها الدولتان العُظْْمَيان في العالم يومئذٍ: دولة الفرس ودولة الروم، تتفوَّق كلتاهما تفوقًا كاسحًا في العتاد والعدة والحضارة والمدنية.
ونزلت دعوة التوحيد على محمد بن عبد الله- صلوات الله وسلامه عليه- فحدث انقلابٌ هائلٌ لم يَعرِف له التاريخ مثيلاً، فقد استطاعت هذه القبائل المتفرقة الأقل من سواها في الحضارة والعتاد في ثلاثة عشر عامًا من انتقال الرسول إلى جوار ربه أن تُنزِلَ الهزيمةَ الساحقةَ بالدولتين العُظْمَيَيْن معًا في العالم يومئذٍ: دولة الفرس ودولة الروم!!.
ولسوف ندرك قيمة هذا النصر تمامًا لو أننا تصوَّرنا الأمورَ في إطار عصرنا الحاضر، فنرى عقيدةً معينةً يؤمن بها شعبٌ صغيرٌ، فإذا هي تمكنه من إنزال الهزيمة الساحقة بدولتين عُظْمَيَيْن في عالم اليوم، فأي عقيدة تكون هذه العقيدة؟! وأي آثار مدوية تتركها في دنيا البشر عندما يؤمن بها بنو البشر؟!
إنه الإسلام وعقيدة الإسلام.
------------
* مدير مركز (رؤية) للدراسات المستقبلية.