صلاح الدين حافظ

 

نعيبُ على تيارات الإسلام السياسي‏- خصوصًا جماعة الإخوان المسلمين وغيرها- استغلال الدين في العمل السياسي,‏ للوصول إلى الحكم،‏ لكننا نعاني الآن من استغلال الساسة والسياسيين‏,‏ خصوصًا النظام والحكومة‏‏ للدين لترسيخ السلطة‏,‏ حتى ولو كانت منفردةً‏,‏ وتحقيقًا لأهدافٍ سياسيةٍ وحزبيةٍ لم تستطع تحقيقها بالوسائل العادية‏ والمدنية‏!‏

 

هكذا بدأت المؤسسة الدينية الإسلامية والمسيحية في مصر مثلاً‏،‏ أي الأزهر ودار الإفتاء من ناحية‏,‏ والكنيسة‏- خصوصًا الأرثوذكسية- من ناحيةٍ أخرى‏,‏ تلعب أدوارًا مركبةً ومتعددةً في الحياة العامة‏,‏ وتتدخل بدرجاتٍ متفاوتة في العمل السياسي العام‏,‏ وتُدلي بدلوها‏‏ عبر الفتاوى والعظات العامة في أمور مدنية بحتة‏,‏ خارقةً صميم مهمتها.

 

ولعل هذا يشير إلى الاستغلال المتبادل بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية‏,‏ على نحو يتناقض مع مبادئ العمل في الدولة المدنية العصرية‏,‏ بكل مرتكزاتها القانونية والدستورية‏,‏ مثلما يشير إلى لجوء بسطاء الناس إلى المرجعية الدينية‏,‏ بعد أن فقدت المؤسسة السياسية المدنية بعض أدوارها‏، أو بعد أن تنازلت عن مهمتها في إدارة شئون الدولة وتدبير حياة المواطنين والتصدي لمشكلاتهم الحياتية.

 

ونظن أن هذه التحولات الواضحة تُشكِّل خطرًا حقيقيًّا على فكرة الدولة الحديثة‏,‏ التي تعمل مصر على بنائها خلال القرنَين الأخيرَين‏,‏ بعد ما خرجت من عباءة الإمبراطورية العثمانية‏, التي كانت تتخفَّى وراء الخلافة الإسلامية‏,‏ غطاءً لحكمها وأطماعها ومشاريعها السياسية، فلماذا العودة الآن إلى استعارة الغطاء الديني الشكلي وإلى الاستعانة بتأثير المؤسسة الدينية‏,‏ مسجدًا أو كنيسة‏,‏ اللهم إلا أن يكون الفشل الظاهر للدولة المدنية‏،‏ التي بشر بها روَّاد عصر النهضة مع نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين‏,‏ من رفاعة الطهطاوي إلى محمد عبده‏,‏ ومن قاسم أمين إلى علي عبد الرازق‏,‏ ومن أحمد لطفي السيد إلى طه حسين!!.

 

ورغم أن العصر الإسلامي الزاهر‏‏ قام على أكتاف الخلافة الراشدة‏,‏ إلا أن حلم الشورى وحرية الجمهور في اختيار خليفته الأصلح‏,‏ سرعان ما انتهى سريعًا‏‏ بانتقال الدولة الإسلامية‏- وقد توسَّعت وتمدَّدت- إلى الحكم الفردي ثم الحكم الوراثي‏,‏ على أيدي معاوية بن أبي سفيان الذي أسس الدولة الأموية‏,‏ والذي فرض نظام الوراثة عليها‏,‏ بتعيين ابنه يزيد‏‏ خليفةً من بعده‏,‏ مستعينًا بالغطاء الديني ومستنجدًا ومجنِّدًا فقهاء السلطان من حوله لكي يبايعوا الابن بعد الأب‏,‏ ليكون مثلاً يُحتذى.

 

ومنذ ذلك العصر ونحن نسير على هذا المنوال, إلا قليلاً‏,‏ في الاستعانة بالمرجعية الدينية لتولي الحكم أو تثبيته وإكسابه الشرعية‏,‏ في تقليد غير إسلامي من ناحية‏,‏ وفي التشبه بالحكم الأوروبي خلال العصور الوسطي‏,‏ حين كانت الكنيسة هي المرجعية لإكساب حكم النبلاء والأمراء والإمبراطوريات الشرعية السياسية‏، ولولا أن أوروبا تخلصت من هذه الوصاية الكنسية في عصور النهضة‏,‏ لما أصبحت على ما هي عليه اليوم.

 

وبرغم أن نابليون بونابرت كان أحد أهم إفرازات عصر النهضة الأوروبي والثورة الفرنسية‏-‏ ثورة الحرية والمساواة‏-‏ إلا أنه حين غزا مصر في نهايات القرن الثامن عشر‏, أعاد فكرة استعارة الغطاء الديني لتبرير حكمه واحتلاله‏,‏ وبعدما دهم الأزهر بخيوله الجامحة‏,‏ سرعان ما أعاد هو وخلفاؤه,‏ الهيبة للمؤسسة الأزهرية‏,‏ مستفيدًا بتأثيرها‏,‏ حتى إن بعضهم أعلن إسلامه شكليًّا ليقنع المصريين بأنه حاكم منهم، ولكن‏!‏

 

كذلك فعل محمد علي- مؤسس الدولة الحديثة عام ‏1805م- حين استعان بجمهرة الفقهاء وعلماء الأزهر قادة الشعب ليضفوا على توليه الشرعية اللازمة، ومنذ ذلك التاريخ ومصر تسير على نفس المنوال مع تحديث الطرق وتجديد الوسائل‏؛ حتى إن ثورة يوليو‏ 1952م‏ وقيادتها التاريخية- ممثلةً في جمال عبد الناصر‏- لم تستطع إلا أن تستعين بالمؤسسة الدينية الإسلامية‏,‏ وإلا أن تمدَّ خيوط تعاونها وودّها مع البطريركية الأرثوذكسية،‏ وما زال الحبل ممتدًّا حتى الآن بدرجةٍ من الدرجات‏!

 

نقول ذلك,‏ ونحن نتابع تنامي دور المؤسستين الدينيتين الإسلامية والمسيحية‏,‏ في لعب دور سياسي عام‏,‏ وفي الانخراط أو التورُّط في شئون مدنية لا تدخل في صميم اختصاصهما‏,‏ بل تدخل في صميم عمل الدولة الحديثة ومؤسساتها وسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية‏,‏ التي تستمد شرعيتها عادةً من الدستور والقوانين المنفذة له‏، أي من سلطة الشعب.

 

وانظر‏ على سبيل المثال‏ للموجات المتتالية من الفتاوى والعظات الدينية‏,‏ التي تصدر في كل شأن‏,‏ والتي تتورَّط في أمور سياسيةٍ بحتة‏,‏ وبعضها يتسق مع الدين‏,‏ وبعضها الآخر يتناقض مع أصول الدين ومع طبيعة تطور الحياة العصرية، وبقدر ما تتطوع المؤسسة الدينية أحيانًا بهذه الفتاوى‏، بقدر ما تستجيب لمطالب حكومية ومتطلبات سياسية‏,‏ مما يوقعها في التناقض‏!‏

 

وتأمَّل الفتاوى المتناقضة والمتلونة وفقًا لبوصلة التوجيه السياسي المباشر‏,‏ حول توظيف الأموال‏,‏ وفوائد البنوك‏,‏ والختان وتحديد النسل‏,‏ وولاية المرأة وغير المسلمين‏,‏ وتولي المرأة القضاء‏,‏ فضلاً عن موضوعات شائكة أخرى، مثل مفهوم الجهاد والعمليات الاستشهادية المحمودة تارةً والانتحارية المكفرة تارةً أخرى..‏ لقد قرأنا وسمعنا الكثير المتناقض حول هذه الموضوعات‏,‏ فالتبس الأمر على عامة الناس‏,‏ بينما اكتفت النخبة الواعية بالقول إن هذه فتاوى سياسية يصدرها فقهاء السلطان‏!‏

 

وحين أفتى فقهاء المؤسسة الدينية الإسلامية مثلا‏ً‏ بضرورة إدلاء المواطنين جميعًا بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة‏؛‏ باعتبار التصويت شهادةً، ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبه‏,‏ مضت المؤسسة الكنسية على نفس المنوال‏,‏ وصدرت التوجيهات في العظات الدينية للمسيحيين بالتصويت لصالح مرشح معين في هذه الانتخابات أو تلك..

 

ولم يكن ذلك إلا بسبب تجنيد الدولة للمؤسستين الدينيتين والاستفادة من تأثيرهما على الناس‏,‏ لكي يصوّتوا في انتخابات سياسية بعد أن انصرف الناس عنها، وبالمثل لم يكن ذلك إلا رجوع الناس البسطاء للمؤسسة الدينية كمرجعية‏,‏ في غيبة الشرعية السياسية والمرجعية المدنية في الدولة الحديثة..

 

ولذلك لم يكن غريبًا على الإطلاق أن تقوَى التيارات الدينية وتنشط المرجعيات الإسلامية والمسيحية‏,‏ سواء المرتبطة بسياسات الدولة‏,‏ أو تلك المتمردة عليها‏؛‏ فحين تغلق الدولة بسياساتها الطرق والأبواب في وجوه الناس‏,‏ يلجأ هؤلاء إلى المسجد والكنيسة‏,‏ ليس للصلاة والتعبد‏,‏ ولكن بحثًا عن حلول لمشكلاتهم اليومية المعقدة‏,‏ وفوق هذه المشكلات عامت تيارات ومنظمات إسلامية ومسيحية عديدة‏,‏ تبني دولة موازية‏,‏ وتتولى القيام بمسئوليات حياتية‏,‏ عجزت الدولة الحديثة عن الوفاء بها كما يجب‏،‏ فإلى أي مرجعية يلجأ الناس إذن‏!!

 

لقد صدم الرأي العام-‏ فضلاً عن الفقهاء الثقاة مثلا‏ً-‏ بالفتوى الدينية التي قالت إن الغرقى ضحايا الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا‏, طماعون وليسوا شهداء‏,‏ بينما هناك نص صريح بأن الغريق شهيد‏,‏ وأظن أن أجهزة رسمية كثيرة سعدت بهذه الفتوى الخلافية‏,‏ وشعرت المؤسسة السياسية‏‏ بأنها تستفيد منها في صورة من الصور‏,‏ لكن أحدًا من المؤسستين الدينية والسياسية لم يقل للناس:‏ لماذا ألقى هؤلاء الشبان بأنفسهم في التهلكة؟‏ لماذا غامروا بركوب البحر إلى المجهول‏؟ لماذا تركوا أسرهم وهجروا قراهم أملاً في وهم كاذب؟!

 

لقد كنت أتصور أن يعترف الجميع بأن السبب هو الفقر والبطالة والإحباط والغلاء‏,‏ الذي يدفع الشباب إلى محاولة فتح طرق جديدة إلى المستقبل‏,‏ حتى لو كانت طرقًا تجدف في أعالي البحار أو تحفر في الصخر وتموت في التيه..‏ لكن الذي حدث هو العكس تمامًا‏,‏ لم تحلَّ المؤسسة السياسية مشكلاتهم كما يجب‏,‏ ولم ترحمهم المؤسسة الدينية فدمغتهم بلعنة الطمع‏,‏ فخسروا الدنيا والدين.

 

وهذه مجرد حالة واحدة من حالات الالتباس العام‏,‏ بين الفتوى الدينية والرغبة السياسية‏,‏ تتبعها وتسبقها حالات كثيرة‏,‏ لن تؤدي إلا إلى الانتقاص من هيبة المؤسسة الدينية من ناحية‏,‏ ومساعدة المؤسسة السياسية على المضيِّ في عدم التصدي للمشكلات الحياتية والاجتماعية للبشر من ناحية أخرى‏,‏ وفي الحالتين الخسارة مؤكدة‏,‏ والضحية هو الشعب المنهك والضائع‏,‏ بين بعض الفتاوى الدينية‏,‏ وكثير من الفشل السياسي‏,‏ بينما شبح الدولة المدنية العصرية يتوارى.

 

غفر الله لمعاوية وابنه يزيد‏,‏ اللذين نقلا الدولة الإسلامية من الخلافة الراشدة‏‏ إلى الخلافة الوراثية‏,‏ واللذين رسخا حتى الآن‏‏ لاستعارة الغطاء الديني للعبة السياسية، بما في الأول من السموِّ وما في الثانية من التدني البالغ‏,‏ فإذا بنا اليوم أمام فتاوى الولاء الكامل والطاعة المطلقة للبشر‏,‏ خصوصًا إذا كانوا حكامًا‏,‏ وليس لله العلي القدير!‏!‏ ليت فقهاءنا وكرادلتنا يعيدون النظر نحو الحق وحده.

 

‏خير الكلام‏

يقول الخليفة علي بن أبي طالب:

ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه.

--------

نقلاً عن (الأهرام): 21/11/2007م.