في مصر المحروسة، بلد العجائب، وفي حقوق الإنسان تجد الانتهاكات الواسعة من "سجنٍ خارج إطار القانون إلى اعتقالٍ إلى التعذيبِ الذي يُفضي إلى الموت في أحيانٍ كثيرة".

 

غير أنك حين تقرأ هذه العبارة (لن نُذبَح كالخِراف)- وهي صيحة احتجاجٍ يقولها بعض الأحرار؛ استنكافًا وضيقًا من كثرةِ الظلم والاستبداد الذي يحياه المواطنون في مصر- تجد من الغرائب ومن الطرائف والعجائب في مصر المحروسة, فالخِراف وجدتْ مَن يُدافع عنها وينتصر لحقوقها في غيبة حقِّ الآدميين ومَن يدافع عنهم، أنا لا أمزح ولكني أُحيلكم لخبرٍ تناقلته الصحف وشبكة الإنترنت، والخبر يقول: "وفد أسترالي يزور مجازر السويس للتأكد من عدم تعذيب الخِراف"!!

 

وفي تفصيلٍ للخبر الذي نشرته جريدة "الوفد" بتاريخ 20/11/2007م.. استمرت أزمة استيراد الحيوانات من أستراليا؛ حيث وصل الإثنين 19/11/2007م وفد حكومي من وزارة الزراعة الأسترالية لتفقد أوضاع الحيوان في مصر, ويزور الوفد مجزر السويس الآلي والحجر البيطري بميناء الأدبية بالسويس للتأكد من حسن معاملة الحيوانات وكيفية ذبحها آليًا دون استخدام القسوة معها قبل وأثناء الذبح، وسيرفع الوفد تقريرًا للحكومة الأسترالية لتحدد موقفها من تصدير الخِراف إلى مصر من عدمه، وكانت الحكومة الأسترالية قد رفضت تصدير خِراف الأضاحي إلى مصر هذا العام رغم اقتراب عيد الأضحى بحجة تدني حقوق الحيوان في مصر وتعذيب الخِراف الأسترالية أثناء الذبح.

 

ونبينا الكريم هو أول مَن أرسى قاعدة حقوق الحيوان وحقوق ذبح الحيوان، فهو القائل- صلى الله عليه وسلم-: "إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة"، وهو القائل: "دخلت امرأة النار بسبب هرة حبستها؛ لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض"، وحديث الرجل الذي سقى كلبًا كان يلهث من شدة العطش فغفر الله له.. كل هذا يدل على عظمة الإسلام وعظمة نبي الإسلام في إرسائه تلك القواعد النبيلة لحقوق الحيوان، وإن دلَّ ذلك على شيء فهو يدل على حرمة أذى الإنسان أيًّا كان هذا الأذى، وحرَّم الإسلام دم المسلم وجعله أكبر من حرمةِ الكعبة وبيت الله الحرام.

 

ومن هنا فإن القلب يدمي، والعين تدمع، والنفس تضيق بالانتهاكاتِ الواسعة لحقوق الإنسان في مصر التي تجاوزت كل الحدود، وحطَّمت كل السدود، وبرزت للعيان كأبشع صور الإيذاء للبشرية التي تصل في بعض الأحيان إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

 

فمشاهد التعذيب في أقسام الشرطة تتوالى والقتل تحت وطأةِ التعذيب مستمر، والاعتقال السياسي وانتهاك حقوق المعتقل مستمرة، فقط للتذكير حين أضرب المعتقلون السياسيون في سجن وادي النطرون بسبب اقتحام قوة كبيرة من الأمن ومباحث أمن الدولة الزنازين بالكلاب البوليسية لساعاتٍ طويلةٍ وأجبروا المعتقلين على وضع وجوههم ناحية الحائط، وقاموا بإيذائهم بدنيًّا ونفسيًّا بدعوى التفتيش الروتيني على السجون، وانتهاك حقوق المرضى من المعتقلين، بالإضافة إلى المحاكمات العسكرية الباطلة قانونًا، واقتحام البيوت الآمنة وإفساد المكان والممتلكات ونهبها وترويع الآمنين من النساء والأطفال واختطاف المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من الأحرار الشرفاء، وقمع المظاهرات المُطالِبة بالحريات بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والرصاص الحي، واعتقال المشاركين فيها وإقصاء قوى المعارضة، وتزوير أي انتخاباتٍ، وتهديد وترويع النخب المثقفة من كُتَّابٍ وصحفيين وأصحاب الرأي بالسجن والاعتقال وإسكات الأقلام الحرة وتكميم الأفواه.

 

هل رأيتم نظامًا في العالم ينتهك حقوق الإنسان بهذه الشدة وبهذا البطش؟!

 

نحن لم نرقَ بعد لمعاملة الخِراف التي استنفرت لها الحكومة الأسترالية؛ لأنه حتى لو تمَّ ذبح الإنسان المصري على مذبح الحرية فإنه إما أن يُلقَى به من الأدوار العليا فيلقى حتفه أو يُضرَب حتى الموت أو يُطلَق عليه الرصاص مباشرةً على رأسه فيموت أو يموت اختناقًا من القنابل المسيلة للدموع أو يموت بالسكتة القلبية حزنًا وكمدًا على الأحوال التي ألمَّت بمصر.

 

والمدهش أن الحيوانات لم تُشكِّل تهديدًا لنظام الحكم في مصر، فلِمَ استعمال القسوة معها؟! غير أننا سنُدرك في الحال أن الشاهد في الأمر هي ثقافة الاستبداد التي يُمارسها نظام الحكم في مصر، فامتدد تأثيرها من الإنسان إلى الحيوان وكافة مناحي الحياة.