الرماد انطلق.. هل تطيق لصهيون هيمنة لا ترد؟

وهل تتنازل عن قدس أقداسك المستباحة؟

هل يطعمونك حتى تكون شريكًا؟!

ربما كانت هذه الأسئلة قد وُجهت إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وهو في طريقه لكامب ديفيد.. لكن الحقيقة أن عرفات وبما عُرف عنه من قدرةٍ عاليةٍ على المناورة حتى وهو محاصر على حافة حادة لجبل شاهق لم يُقدم على المغامرة.

 

البعض اعتبر أن نهاية عرفات الكامب..

وكما هو ثابت أيضًا أن الشيخ أحمد ياسين- مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس"- أرسل لعرفات إشاراتٍ تحذيريةً، حينما كانت وسائل الإعلام تنقل أجواء حميمية بينه وبين كلينتون وباراك.. عندما كانوا يدفعونه دفعًا إلى داخل النفق المظلم.. قال الشيخ: "إن عرفات يوشك أن ينتحر سياسيًّا".

 

فهم عرفات الرسالة رغم الضغوط.. وتقاعد باراك بعد زيارة شارون المشئومة لباحة الأقصى، وحدثت الانتفاضة الثانية وحُوصر عرفات حتى الموت.

 

كان الجميع يأملون في التوصل إلى اتفاق سلامٍ قبل انتهاء ولاية كلينتون.. أعلن الصهاينة عن وجود خلافاتٍ حول خمس نقاط: القدس وحق العودة للاجئين والحدود والترتيبات الأمنية وإنهاء النزاع.. بينما أكدت حماس أن مقترحات كلينتون تشطب حق أكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في العودة وتُكرِّس السيادة اليهودية على أجزاء من الحرم القدسي وتبقى القدس تحت السيطرة الصهيونية وتبقى غالبية المستوطنات في الضفة الغربية والقدس وتحولها إلى جزرٍ متناثرةٍ، وتصبح الإدارة الفلسطينية المقترحة إدارةً ذاتيةً ممسوخةً.

 

فهل طرأ جديد على واقع الصراع بما يسمح بتفاوض جديد؟ ولصالح مَن؟

بالتأكيد نعم.. حدثت مستجدات يعتبرها الصهاينة فرصةً تاريخيةً:

1- تخلص الصهاينة من أبو عمار كزعامة وكاريزما وتاريخ.. والبديل أكثر ضعفًا وأوهن شعبيةً وأقل انضباطًا وتمسكًا بحقوق شعبه.. والأكثر انفتاحًا ورهانًا على الخارج.

2- رغم استشهاد الشيخ أحمد ياسين انفصل قطاع غزة الذي أصبح محررًا وخاضعًا لسيطرة حماس.. بينما أبو مازن يحكم جزر الضفة المتناثرة والمقطعة الأوصال بعد أن تهاوت أجهزته الأمنية وتساقطت أقنعتها.

3- ظهرت وثائق ومستندات تدين كل رجال السلطة وتظهر صراع المستوريثين لتقاسم تركه بمليارات الدولارات.

4- الدول العربية التي تحفظت على الإطار الأمريكي المقترح في الكامب أصبحت أكثر مرونةً في مواقفها بعد أن تغيرت خريطة الشرق الأوسط بنوعٍ من البنوة غير الشرعية مع الإدارة الأمريكية بعد سقوط نظام بغداد.

5- تمسك العرب بمبادرة السلام التي طرحتها المملكة العربية السعودية كإطارٍ مرجعي لإغلاق ملف الصراع في المنطقة بالاعتراف بالكيان الصهيوني وإعادة تأهيله اقتصاديًّا وسياسيًّا كعضو فاعل وجزء من الواقع الافتراضي للمنطقة.

6- وجود إدارة أمريكية متصهينة ويكفي ما قاله بوش في خطاب توليه (أنه يشعر بالأسى وهو لا يستطيع تجفيف دموع طفل يهودي باكٍ في طريقه لأريحا).. كما يؤخذ في الحسبان تولي نيكولاي ساركوزي رئاسة فرنسا وتحركه القريب وتوافقه مع الإدارة الأمريكية.

7- وتبقى النقطة الأهم أبو مازن، وهي تجيب عن الأسئلة التي طرحناها في بداية المقال..
يؤمن أبو مازن أن الكيان سيكون في المستقبل دولةً يهوديةً؛ ووجهة نظره أن 80 % من سكانها يهود و20% عرب (وهو نفس ما طرحه الصهاينة في اللقاءات التشاورية الممهدة للمفاوضات المقبلة)، كما يعتقد أنها ستسعى إلى أن تكون علاقاتٍ طيبةً مع دول المنطقة؛ لأن الصراع الفلسطيني هو الأساس!!

 

وهي رؤية واهية بالأساس والمؤسف أن يكون قائلها في مكان الصدارة في هذه القضية الأهم في تاريخ العالم.

 

لم تتغير رؤية أبو مازن بعد أن شاهد عرفات يُجرَى قتله ببطء ولم تتغير رؤيته وهو يرى الانتهاكات والجرائم الصهيونية البشعة بحقِّ المدنيين والأبرياء، بل ازدادت تشددًا مع سيطرة حماس على غزة.

 

والسؤال الأهم هو: مَن هم القادة الذين سيجتمعون في قمة أنابوليس:

أبو مازن الذي هرَّب رجاله في غزة وفروا مذعورين إلى الكيان والقاهرة لنقلهم إلى الضفة؟ ماذا يمثل أبو مازن الذي يرتمي في أحضان الصهاينة وأمريكا بدون مقابل؟ ماذا يمثل أولمرت وقد وصلت شعبيته إلى الحضيض؟ ماذا يمثل الآخرون الخائفون مما آلت إليه الأوضاع في غزة بعد سقوط العملاء؟ هي بلا شك قمة المذعورين.. والأدهى أن يكون المذعور الأكبر عربيًّا لا يعرف غير لغة التنازل والانبطاح!!