لا شك أن جماعة الإخوان، بتاريخها ورجالها، وما قدمته من تضحيات واجتهادات لإعادة الإسلام الحق إلى واقع المسلمين وحياتهم، بعد طول تغريب، وبعد أن انفرط عقدهم السياسي بإلغاء الخلافة الإسلامية، لهو مما يسجِّله التاريخ في صفحاتٍ مشرقة، ولا شك أن لهذا النجاح أعداءً في داخلهم؛ حيث تتفاوت الأفهام، وتتعدد القدرات، وتطل الغيرة والحسد من بين الصفوف المجاهدة، وقد كانت على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيث بشرية الإنسان قد تطغى أحيانًا، وخارجهم؛ حيث النفوس الكارهة والحاقدة والمتربصة لأي نجاح!!.
وهذا معلوم من الدعوة وتاريخها بالضرورة، من يوم البعثة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولعل أقدار الله تخلق لنا أحيانًا واقعًا تتردَّد فيه النفس بين الحق والأحق، وبين الصواب والأصوب، ولا شك أنها أحدُ مداخل الشيطان التي تكلَّم عنها ابن القيم- رضي الله عنه- خاصةً عندما تختفي ضرورات الواقع واحتياجات اللحظة، والتي تفرق بين الحكم الفقهي والفتوى التي تراعي الزمان والمكان والأشخاص، وهذا الذي جعل للإمام الشافعي- رضي الله عنه- فتاوى مختلفة في الحكم الواحد في مصر والعراق؛ احترامًا لهذه القاعدة، وعندما حدث الاختلاف في بعض نقاط برنامج الإخوان لأسباب وأخطاء إجرائية مشتركة داخل الجماعة لا أبرِّئ نفسي منها ذهبت بعيدًا لأرى الصورة من الخارج بعد تصريحاتٍ شوِّهت أحيانًا بزيادة أو نقصان، تخدم عدة فصائل ممن يتربَّصون بالجماعة ولا يؤمنون بالاختلاف؛ فهم عبيدُ طاعةٍ عمياء- خوفًا أو طمعًا لأيهم- فاستكثروا على الإخوان الاختلاف في الاجتهاد!!.
ولم أكن أتصور- وأنا الذي تربيتُ داخل الجماعة بكل حرية- أن أنال من سوء الظن والتطاول أحيانًا من بعض من علَّق على الموقف، وادَّعى أنه من الإخوان، مثل ما لقيت!! ورغم أنهم قلة جدًّا بجانب من أحسَن الظن ودافَع أو توقَّف عن الإدانة، إلا أنني وجدتها فرصةً لأرصد بعض الخلل في الفهم لدى بعض أفراد الجماعة، وهو ما أتحدث عنه لكثيرٍ من الإخوان منذ زمن لاستدراك الأمر، حتى لا تزداد زاويةُ الانحراف الضئيلة التي تظهر أحيانًا وترسخ في الوجدان دون أن ننتبه!!.
هؤلاء القلة، ربطوا حسن الانتماء للدعوة بحسن السمع والطاعة العمياء، وهو ما لم يقُل به الإخوان أبدًا، لا في أدبياتهم ولا في أدائهم؛ فالأصل هو السمع والطاعة المبصرة، وهو ما يجب أن نشجِّعَه داخل الجماعة، فهو الحصن الحصين في أوقات الفتن وما أكثرها اليوم!! وصار المختلف قرين المنشقِّ!! وهذا نموذجٌ لأحدهم كتب في آخر تعليقه على موقع (إسلام أون لاين): "أخيرًا.. رحمةً بنا وبالمعتقلين والقيادة التي نثق فيها، والتي لن تضيِّعنا أبدًا إن شاء الله، وإن كان لكم آراء تخالف الجماعة، فما إخوانكم في حزب الوسط ببعيد، اذهبوا إليهم وأريحونا".
هؤلاء القلة، لا شك أنهم قليلو الفقه، كثيرو الحماسة؛ حيث تنطق كلماتهم بذلك، بل أحيانًا اقترب اتهامهم من دائرة التخوين والتكفير، رغم أن ما طالبت به في الخيار الفقهي الذي نتبنَّاه أن يناسب الواقع، وهذا هو أصل أي فتوى، وأنا لم أدَّعِ أني فقيه أو مجتهد، بل فقط أنا طالب لرحمة ومغفرة ربي بعقلي وقلبي وروحي؛ اعتقادًا وسلوكًا قدر ما يتفضَّل به علينا رب العالمين!.
وقبل أن أعرض بعض هذه التعليقات أودُّ أن أوضِّحَ أمرًا كنت أختلف فيه مع بعض الإخوان فيما يخص فتوى تولية المرأة وغير المسلم على أنها خيارٌ فقهيٌّ وليس معلومًا من الدين بالضرورة؛ لأن هناك اجتهاداتٍ حول تعريف بل ووجود الإمامة الكبرى من عدمها، وفي ضوء دولة المؤسسات- لا دولة مبارك- ومن خلال استقرار العرف العام وغير ذلك مما لا أود أن أتحدث فيه الآن بعد أن استقرت الأمور وقد جاء تصريح الأستاذ المرشد، المتحدث الرسمي الوحيد باسم الجماعة، ليحسم هذا الأمر فيما ذهبت إليه "حيث أكد فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين- أن رؤية الإخوان بعدم جواز تولي المرأة والقبطي لرئاسة الجمهورية، تأتي من منطلق خيارٍ فقهي استقرَّت عليه الجماعة بعد مناقشاتٍ طويلةٍ في هذا الشأن".
وأضاف المرشد العام في حديثٍ اليوم الثلاثاء مع جريدة "ذي أدج" الأسترالية أن قرار الإخوان بعدم جواز تولي القبطي والمرأة لرئاسة الجمهورية لم يكن قرارًا سياسيًّا، ولكنه خيارٌ استند لأولوياتٍ فقهيةٍ ورأي عموم العلماء. (إخوان أون لاين 6 نوفمبر 2007م).
أعود إلى رأي الإخوة الذين لم يحسنوا الظن بإخوانهم كنموذجٍ أحذر من انتشاره داخل صفوف الجماعة، ولأن حديثهم كان على الملأ فقد اضطررتُ لعرض وجهة نظري على الملأ!! والجماعة أهلٌ لهذا الحوار الراقي: يقول أحدهم- غفر الله لنا وله في ملتقى الإخوان-:
* (ثم يأتي المثقف جمال حشمت فيقول: أعتبر أن ما ورد في البرنامج لم يكن به جديد، وبخاصةٍ ما جاء في ولاية غير المسلم والمرأة، وهو لا يناسب الواقع ولا الظروف التي نعيشها، ولا يناسب الدولة المدنية التي تحدث الإخوان عنها في مقدمة برنامجه.
ما شاء الله هل أصبحنا نُفسِّر كلام الله حسب الواقع حتى ولو كان الواقع جاهليةً ثانيةً- كما وصفها سيد قطب في الظلال- حتى ولو كانت شرائع الله مهدرة حتى أقصى درجة......) انتهى.
* (والعجيب أن السيد حشمت يقول: والأغرب من ذلك أن الإخوان يتعاملون معها كأنها ثابت من الثوابت، لا متغير من المتغيرات، وبالتالي فإن إعادة النظر فيما ذهب إليه البرنامج من الضروريات المهمة حتى يتسنى التحاور حوله.
نعم يجب أن نتعامل معها كقضية عقيدة لا كقضية خلافٍ فرعي، ومَن يعرف الكتاب والسنة وطرق الاستنباط منهما إلا الفقهاء وليس المثقفون أمثال سيادتك، فكيف ترفض أن تكون هناك لجنة تستنبط الأحكام الشرعية وتولفها لتجعلها قوانين ومواد؟ هل هذا باطل؟ إذًا ما الحق إن كان هذا باطل؟).... انتهى.
* ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾ (النساء).
الآية السابقة تحوي ردًّا رائعًا على ما قاله الأستاذ جمال حشمت ومن قبله الأستاذ عبد المنعم أبو الفتوح، ومن قبلهما (حسن الترابي وأضرابه من المتميعين) الذين أفتوا من أمخاخهم دون رجوعٍ لكتابٍ ولا لسنةٍ ولا لفهمٍ سليمٍ لخير القرون، وادَّعوا أن الاجتهاد واجب، ولكن نسوا أو تناسوا أنه لا اجتهادَ مع النص الصريح الصحيح كما قال الشاطبي في "الموافقات"، وذكر الإجماع على هذه المقولة، والسيد عبد الكريم زيدان في كتابه (التشريع الإسلامي).
أريد أن أسأل الأستاذ جمال حشمت سؤالاً ما معنى شيء في الآية السابقة﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (النساء: من الآية 59).. شيء تطلق على كل ما هو مخلوق، إذًا فإن تنازعنا فيما قاله الأستاذ وجب علينا أن نرده لله ورسوله وإلى أولي الأمر منا، وولي الأمر تُطلَق على الحاكم والعالم وكل من وُكِّل لإدارة شئون المسلمين في الدنيا والدين (انظر تفسير سيد قطب)......انتهى.
* (وأعيد وأكرر، خذوا دينكم من العلماء وليس من المثقفين وأنصاف الفقهاء- مع احترامنا للدكتور جمال حشمت وعبد المنعم أبو الفتوح في تخصصهم وهو الطب والهندسة أو غيره فليذهبوا ليجتهدوا في تخصصهم وليس في تخصص العلماء الشرعيين)..... انتهى.
هذه عينة من ردود بعض الأحبة الذين لم يحسنوا الظن بنا واندفعوا في تقرير بديهيات لا علاقةَ لها بالموضوع، اللهم الحب والخوف والطاعة غير المبصرة، وهو نهج الدبة التي قتلت صاحبها عسى الله أن يشرح الصدور ويبصرنا بما ينفعنا.
هؤلاء القلة لم يفقهوا موقف الرسول- صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية عندما كتب "باسمك اللهم" بدلاً من "بسم الله الرحمن الرحيم"، ولم يصر على وضع صفته التي بعثه الله بها رسولاً بل كتب اسمه مجردًا، وكلاهما حق تنازل عنه المعصوم- عليه الصلاة والسلام- لتحقيق مصلحةٍ هي في عُرفنا الآن سياسية، فماذا لو عاصر هؤلاء الرسول المصطفى؟! كيف كانوا يحكمون عليه؟ وماذا يقولون عن الكعبة التي استمرت على غير قواعد إبراهيم والرسول يقول: "لولا أن قومك حديثو عهد بإسلامٍ لهدمتها وأقمتها على قواعد إبراهيم"!!
وكيف نفهم تساهله- صلى الله عليه وسلم- مع مَن بال في المسجد، وغضبه ممن قال أصوم الدهر ولا أفطر ومن قال أقوم الليل ولا أنام، ومن قال اعتزل النساء فلا أتزوج! فجمع المسلمين وصحح المفاهيم رغم أنها في عبادة وتبتل؟!!
وهنا تأتي قضية الدعوي والسياسي؛ حيث إن البعض قد لخَّص ما جرى من حوارٍ بين الإخوان الفترة الماضية على أنه نوعٌ من استعلاء أهل الدعوة على أهل السياسة وتوريطهم في مخافة ثابتٍ من ثوابت الدين!!
وأنا لست مع هذا التصنيف، فالإسلام دين ودولة، وليس هناك في فهمنا للإسلام فصل بين أصول الدعوي والسياسي؛ حيث إننا جماعة من المسلمين ولسنا جماعة المسلمين!، إنما جاء اللبس لأن الداعين للفصل لم يخطر ببالهم أنه من حق أهل السياسة التملص أو الخروج عن الأصول المرعية والأخلاق الأساسية لكل مسلم، بل الرأي الذي وقر في نفوسهم أن عمرو بن العاص لا يصلح لعمل مؤذن كبلال والعكس صحيح، وخالد بن الوليد لم يكن يحفظ كثيرًا من القرآن وهو سيف الله المسلول الذي أعزَّ الله به الإسلام دعوةً ودولةً، إذن المقصود هو اختيار الإنسان المناسب في المكان المناسب بعد أن ينال الجميع قسطًا وافرًا يمثل الحد الأدنى من العلم الشرعي والخلق الإسلامي ثم يُوظَّف في مكانه المناسب لقدراته! فأين الفصل هنا؟!
الكل يشترك في المنطلقات لكن الوسائل تختلف هنا عن هناك، والأسلوب يناسب الواقع والجمهور هنا وهناك، وتحقيق المطلوب يتباين هنا وهناك، فما علة الرفض في هذا الإطار للتمييز بين الدعوي والسياسي داخل الدعوة بل وداخل الدولة! فنشر وتعميق الأخلاق والتدين الوسطي بلا إفراطٍ أو تفريطٍ بين جمهور المسلمين مهمة الدعوة- أيًّا كان أصحابها- أما حماية الأخلاق والحفاظ على قيم المجتمع هي مهمة الدولة ولكل مهمة رجالها! أيها الأحباب الفهم كان أول أركان هذه الدعوة فتنبهوا أن معظم مشاكلنا اليوم هي من سوء الفهم واختلاط المعاني والخوف من كل جديدٍ، وهو علامة لعدم الثقة في النفس أو في المنهج الذي ارتضيناه لنا جميعًا!!
آخر ما أصر عليه الأحباب الذين تحاملوا على مَن اختلف في الرأي داخل الجماعة هو رغبتهم في معاقبة هؤلاء وإعلان ذلك داخل الصف وخارجه!! حفاظًا على هيبة الجماعة في نفوسهم وتبريرًا لموقفهم الذي تحاملوا فيه على مَن أبدى رأيًّا معارضًا بأنهم يستحقون عقابًا!! وقد نشرت إحدى الصحف بالخط العريض "تحويل جمال حشمت إلى مجلس تأديب داخل الإخوان"، ورغم أني نفيت ذلك جملةً وتفصيلاً في نفس الصحيفة إلا أنه نُشر على استحياءٍ بخطٍّ صغير!!
إلا أن هناك مَن أشاع أن هناك مراجعةً ومحاسبةً تمت وهو أمر أرحب به ولا أرفضه طالما كان بحق، وأنا مع محاسبة كل مَن يستوجب، ويستحق المساءلة مهما كان شأنه! ولكن الحقيقة أن هذا لم يحدث مطلقًا بل كانت لقاءاتنا كلها حبًّا واحترامًا تم فيها بكل حرية حوار ومراجعة لكل الأطراف التي شاركت فيما حدث بلا محاسبة ولا جزاءات أو عقاب كما ادّعى البعض وأشاع البعض الآخر!!
إن جماعة الإخوان المسلمين هي ملك كل أبنائها، بل هي جزء من تاريخ وحياة المصريين لا تقبل ثقافة القطيع بل تشجع أبنائها على حرية الرأي والتعبير في كل أدبياتها؛ لأن الأحرار فقط هم مَن يستطيعون مواجهة الظلم والفساد والاستبداد ولا تستخدم الدين لتحقق مصالح خاصة بها، بل توظف كل كفاءاتها وجهاد أبنائها لتعز الإسلام وتُعلي من شأن قيم وشرائع الإسلام، وهي جماعة تجمع ولا تُفرِّق وتتحمل في سبيل ذلك المشاق وسوء الظن والاتهامات ويكفي ما يُلاقيه الإخوان من عنتٍ وإجرامٍ- حتى اليوم- لكي نُدرك قيمة ورجولة وشهامة كل مَن يقبل ويعلن الانتساب إليها في ظل هذا المناخ! فرفقًا بجماعتكم وثقوا في أن الحب والترابط الذي يجمع أفرادها ممزوجًا بالثقة والاحترام لهما العاصم بعد توفيق الله من المحن والفتن، أعاذنا الله منهما وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
---------