ما إن نشرت بعض الصحف المستقلة خبر زواج الملياردير أحمد عز إمبراطور الحديد من النائبة شاهيناز النجار، حتى فتحت شهية المصريين في كل مكان، فلا حديث لهم في أشغالهم وأعمالهم وحتى أثناء جلوسهم على المقاهي إلا على هذه الزيجة، وثمن خاتم الشبكة الذي بلغ ثمنه مليون جنيه، والمهر الذي بلغ 25 مليون جنيه، وأخذ بعضهم يتساءل عما قيل عن المؤخَّر وأنه مفاجأة!!

 

وقام فريق آخر بحساب ثمن المهر ومقارنته بالأشياء الضرورية للشعب المصري، ووصلت المقارنة لحدود مذهلة، منها أنه يمكن بهذا المهر شراء أحد الأشياء التالية:

(1) 50 مليون ساندوتش فول وفلافل مخصوص، يمكن أن تتناولها 5 ملايين أسرة فقيرة في مصر لا يتناولون وجبة العشاء (طبقًا لتقرير التنمية البشرية لعام 2005). 

 

 (2) تزويج 5 آلاف شاب وفتاة لو افترضنا أنه سيتم دفع مقدَّم شقق المحافظة لهم والبالغ 6000 جنيه، وإعطاء كل عريس وعروس منهم مبلغًا قدره 4000 لتجهيز عش الزوجية بأقل الإمكانيات (سرطان العنوسة وصل في مصر لمعدلات مخيفة).

 

(3) تنفيذ مشاريع مياه الشرب الآمنة والصرف الصحي لعدد من القرى، أو فتح مئات من فصول محو الأمية (جاء ضمن تقرير التنمية البشرية المصري والصادر عن معهد التخطيط القومي عن عام 2004 أن 16.7% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، أي 11.3 مليون نسمة)، فهل هذه الأرقام كاذبة وهي صادرة عن جهة يشرف عليها وزير التخطيط؟!!

 

وقد جاء ضمن التقرير أن حوالي 6 ملايين مواطن لا تصلهم مياه مأمونة، وأن 4.4 ملايين يعيشون بدون صرف صحي، وأن حجم الأمية وصل إلى 21 مليون شخص. 

 

 (4) عمل إعانة عاجلة تبلغ 1000 جنيه لعدد 25 ألف أسرة من أسر الضمان الاجتماعي (صرَّحت وزيرة الشئون الاجتماعية- في الأهرام 26 أبريل 2005م- أنه يوجد مليون شخص يحصلون على معاش الضمان الاجتماعي الذي يبلغ 50 جنيهًا شهريًّا، أي حوالي 8 دولارات، وبفرض أن متوسط الإعالة 4 أفراد للأسرة، إذن نحن أمام 4 ملايين مواطن متوسط دخل الفرد منهم 2 دولار شهريًّا).

 

 (5) عمل برنامج غذائي جيد بما قيمته 500 جنيه لعدد 5.0000 طفل يعانون من الأنيميا (تقرير التنمية البشرية حول التنمية الإدارية يشير إلى أن 30% من أطفال الفقراء يعانون من التقزم خاصةً في الريف و54% يعانون من الأنيميا).

 

 (6) تسكين عدد 2500 أسرة يعيشون في العراء في شقق المحافظة (كشف تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن 12 مليون مصري يعيشون في العراء بلا مأوى، وأوضح التقرير أن هؤلاء يعيشون في المقابر والعشش والجراجات والمساجد وتحت السلالم!! وأشار التقرير إلى أن 1.5 مليون مصري يعيشون بالقاهرة في مقابر البساتين والتونسي والإمام الشافعي وباب الوزير والغفير والمجاورين والإمام الليثي وجبانات عين شمس ومدينة نصر ومصر الجديدة)!!.

 

بصراحة عندما سمعت ما يقوله أفراد الشعب عما يمكن عمله بهذا المهر، قلت لكثير ممن حاولوا استفزازي بهذا الرقم: يا جماعة، نترك البلد والحكومة التي عندها المليارات وننظر لرجل شقي وتعب حتى وصلت ثروته لـ50 مليارًا في سنوات!!.

 

لا بد أن ننظر نظرةً ليبراليةً لحركة المال وتداوله في مصر، والأهم من ذلك كفاكم حسدًا، فعينان في النار منها عين الحسود، رد عليّ أحدهم ردًّا أفحمني قائلاً: هذا المهر يساوي أرباح شركة عز الدخيلة للصلب في 4 أيام، وأنا لست أبالغ، فميزانية الشركة المنشورة على موقع البورصة المصرية تقول إن شركة الدخيلة حققت صافي ربح قدره 1150 مليون جنيه في الفترة من يناير 2007 وحتى يونيو 2007م، هذا خلاف أرباح شركات عز لحديد التسليح بمدينة السادات، وعز لمسطحات الصلب بالسويس، ومصنع البركة بالعاشر من رمضان، وشركة سيراميك الجوهرة!!.

 

لم أستطع إقناع الكثيرين منهم، حاولت أن أقول لهم إن كل (برغوث) على (قد) دمه، ردُّوا ساخرين: ده مش بدمه ده (أبو صرة)، ومنهم من قال: ده مش دمه ده دمنا كلنا، وعلق آخر: ده بنك دم كامل!!.

 

حاولت إقناعهم أن الولد والبنيّة دي رابع بخت لهم من كثرة القر الدكر ده، لم يسمعوا لكلامي.. حاولت أن أغيِّر من لهجتي، وتقمَّصت اللهجة الخليجية التي يحب بعض المصريين الذين اتنقعوا في الغربة أن يلووا ألسنتهم بها؛ إمعانًا في رغبتهم في نسيان ماضيهم، والتبرؤ حتى من لغة بلدهم: يا جماعة الخير أبشروا.. الناس الكبيرة دي لما تتزوج وتستريح أكيد حيريحونا، وأكيد الشعب ده ممكن حياخد من الحب جانب، ردَّ عليَّ أحدهم: يعني حيوزع علينا كيس مسامير هدية!!.

 

وقال آخر: أنا نفسي أحضر الفرح ده، بس مش عارف أنقّط العريس بكام!! أنا ممكن أضع له في الظرف 100 جنيه حتة واحدة... نظرت له وقلت يا حبيبي موضوع النقوط ده عندهم ليس بالظروف، الموضوع بيكون أكبر من كده ممكن يكون بمصنع.. بكام فدان.. بقرية سياحية.. بمحافظة!!.

 

وردَّ آخر: عارف يا أستاذ.. ده أقسى تعذيب لنا.. انت عارف أنا لو دخلت قسم شرطة وانضربت طبعًا إهانة وقلة أدب، بس ممكن بعد كام يوم بعد كام شهر حأنسى.. لكن أفتح الجريدة وأجد مهرًا قدره 25 مليونًا وشبكة بمليون وإحنا حنتجوز على نفسنا ومش لاقيين ناكل وعايشين الفقر والذل والبطالة ليل نهار كده يبقي (أوفر) قوي!.

 

انت عارف إحنا من كثرة الواقعية اللي عايشين فيها بطلنا نحلم، يعني أمل.. يساوي صفر، يعني يأس، يعني نولع في نفسنا أحسن، ليه بيستفزونا كده، مش برضه إذا اغتنيتم بافترى فاستتروا!!.

 

أحسست عندها أن الشعب المصري يعيش حالة غريبة عليه، فلقد نسي حضارةَ وأخلاقَ 7000 سنة، وأصبح ينظر لعروسة مصرية في مهرها ولعريس مصري في ملياراته؟ والمذهل أن التصريحات التي تتحدث عن أن المؤخَّر مفاجأة جعلت بعض كبار السن محترفي الجلوس على المقاهي يقولون إن المفاجأة ممكن أن العروس ستكون قريبًا سيدة الوطن الأولى؛ نظرًا لإمكانيات العريس غير العادية وشعبيته بين أعضاء الحزب!!.

 

عند هذا الحد وصلتُ لمرحلة الاختناق، فأنا كل ما أعرفه عندما أسمع أن هناك فرحًا أن أدعو للعروسين، ولا أريد أن أتورَّط في هذه النميمة والحوارات التي توغر صدر أخينا عز وعروسه.

 

وأجدني مدفوعًا أن أقول لهما بصوت عالٍ: بارك الله لك يا أخي عز أنتَ والأخت شاهيناز، ولم أستطع أن أكمل الدعاء، فقد صرخ في وجهي أحدهم قائلاً أكثر من كده بركة!!.

-----------

haythamabokhalil@hotmail.com