محمد السروجي

 

فرض السجالُ القائمُ حول القراءة الأولى لبرنامج حزب الإخوان حراكًا فكريًّا وسياسيًّا، كانت الساحة المصرية بحاجة إليه لأسباب عدة، منها:

* دفع عجلة الإصلاح والحراك السياسي، التي انطلقت في أوائل عام 2005م، بالتزامن مع طلب الرئيس مبارك بتعديل المادة 76 من الدستور، ثم توقَّفت بسبب حالة الانسداد المفروضة على الساحة السياسية.

 

* رفع سقف المعايير التي يقاس بها الواقع المصري، والذي فرضته مؤسسة الحكم بجناحَيها الحزبي والحكومي.

 

* مراجعة الأحزاب المصرية لواقعها على مستوى الفكر والممارسة والتخلُّص من حالة الجمود والاستسلام التي أصابتها جرَّاء الممارسات غير الديمقراطية.

 

وعُرضت نقاطُ الضعف وسلبيات الطرح- حسب رؤية المتناولين- وكان منها التداخل بين الدعوي والسياسي، وأن برنامج الإخوان يؤسس لدولة دينية!! مع أن البرنامج نص في أكثر من موضع ينص على مدنية الدولة، وأنها دولة المؤسسات، وسيادة القانون، وأن الأمة هي مصدر السلطات، كما أكد في نظامه السياسي على تهيئة المناخ الديمقراطي والأخذ بأدوات الديمقراطية وآلياتها (متجاوزًا الأساس الفلسفي لها)، وتعميق الشورى، والفصل بين السلطات.

 

ومع هذا ظل هاجسُ الدولة الدينية يطارد عددًا غيرَ قليل من النخب والمثقَّفين، فكان من الطبيعي أن يُفرَضَ سؤالٌ مهمٌّ عن نوع الحكم السائد في مصر منذ عقود، خاصةً فترة الرئيس مبارك.. هل هو دينيٌّ أو مدنيٌّ؟! وما هي الشواهد؟ وما هو موقف النخب التي قامت ولم تقعد بعد بسبب طرح الإخوان؟ ومشاركةً في الإجابة أعرض الآتي:

* عندما يقوم الحزب الوطني الحاكم على أساس ديني وفق النصوص والمبادئ الواردة ببرنامجه، كما أعلن عنها النائب الإخواني سعد الحسيني، بالمستندات التي قدمها لقيادات الحزب الوطني (الدكاترة: فتحي سرور وآمال عثمان وعبد الأحد جمال الدين، الذين أصابهم الذهول لأنهم لم يقرأوا برنامج حزبهم من قبل)، فماذا يكون نوع الحكم؟!

 

* عندما يُرفع رئيسُ الدولة إلى مكانةٍ لا يراقبه فيها أحد، ولا يحاسبه أحد، ولا يسائله أحد (إخلالاً بمبدأ التوازن بين السلطة والمسئولية) فماذا يكون نوع الحكم؟!

 

* عندما يُمنح رئيسُ الدولة الصلاحياتِ المطلقةَ في كل شيء، من تعديل الدستور، إلى رئاسة كافة المجالس العليا للدولة (القضاء والصحافة والشرطة والجيش..)، وتعيين وإقالة كافة الوظائف التنفيذية العليا، فماذا يكون نوع الحكم؟!

 

* عندما تكون مدة الحكم لا سقف لها (تأبيد السلطة) بل ويورَّث، فماذا يكون نوع الحكم؟!
* عندما تكون إرادة الرئيس فوق إرادة الشعب (حلّ مجلسَي الشعب والشورى دون استفتاء، وإصراره عدم تعديل المادة 77)، فماذا يكون نوع الحكم؟!

 

* عندما يكون الجهاز الإداري والتنفيذي للدولة لا يملك قرارًا، إلا تنفيذ تعليمات وتوجيهات الرئيس (بدايةً من أزمة طالبة الصف الأول الثانوي آلاء مجاهد بسبب موضوع التعبير الشهير، ونهايةً بوضع الخطط والسياسات كما صرَّح الوزير أحمد أبو الغيط)، فماذا يكون نوع الحكم؟!

 

* عندما تُفرَض رؤيةُ الرئيس بخصوص التعديلات الدستورية، ويتم تجاهل كافة الرؤى التي قدَّمها نواب الشعب (بمن فيهم نواب الوطني) والأحزاب والمنظمات الحقوقية، فماذا يكون نوع الحكم؟!

 

* عندما تهيمن العصا الغليظة للنظام (الجهاز الأمني) على كل مؤسسات الدولة وتبطش بالمعارضين، فماذا يكون نوع الحكم؟!

 

وأخيرًا.. هل من الضروري أن يرتدي الرئيس عمامةً أو يحمل رمزًا مقدسًا ليكون الحكم دينيًّا؟!

--------------

* مدير مركز (الفجر) للدراسات والتنمية.