الصورة غير متاحة

شعبان عبد الرحمن

 

أحداث ومشاهد متلاحقة جرت على أرضنا الأسبوع الماضي، تقدم مزيدًا من الحيثيات والدلائل على أن حقَّنا المهيض يزداد ضياعًا، وحالنا مع ديناصور هذا العصر.. الاستعمار الصهيوني الغربي.. يزداد بؤسًا.

 

هذه المعاني تجمَّعت ونحن نتابع عملية الإفراج عن عصابة اختطاف أطفال دارفور عبر شركة فرنسية، فلو توقفنا أمام هذا الحدث قليلاً لاكتشفنا إلى أيِّ مدى يتعامل الغرب معنا ومع قضايانا، وبأي نظرة ينظر إلينا كبشر!!.

 

في تشاد.. حيث تم ضبط واحدة من أخطر عمليات الاتِّجار في أطفال دارفور أو تشاد، (المهم أنهم مسلمون..)، ومن أول القصة حتى نهايتها تابعنا حالة الاستخفاف بنا كعرب ومسلمين وبأطفالنا، وكيف تصبح الجريمة أمرًا طبيعيًّا إذا كان الجاني غربيًّا والمجني عليه مسلمًا؟ وكيف يتحوَّل المجرم إلى شريف يستحق التقدير والاهتمام، بينما المجني عليه يُترك ليأكل نفسه كمدًا وغيظًا؟!

 

الجريمة واضحة ومتكاملة الأركان، فبينما كانت الطائرة المستأجرة من قِبَل منظمة "أرش دو زوي" الفرنسية العاملة في دارفور تحت شعار العمل الإغاثي تستعدُّ للإقلاع وعلى متنها 103 أطفال من دارفور تم بيعهم بالفعل لأُسَر من فرنسا وبلجيكا (مقابل من 4000: 8600 دولار) انكشف أمر العملية، وتم ضبط الجريمة والقبض على الخاطفين، وهم 3 من الصحفيين الفرنسيين، و6 من العاملين بالمنظمة، و7 إسبانيين هم طاقم الطائرة، إضافة لطيار بلجيكي، واثنين من تشاد.

 

وقد أمعنت المنظمة في الكذب بالادِّعاء أن هؤلاء الأطفال أيتامٌ، وتم اصطحابهم لرعايتهم، وثبت أن 95% من الأطفال لهم آباءٌ وأُسَر، وأن المسألة كلها خطف في خطف، لكن كل شيء انكشف، بدءًا من شعار العمل الإغاثي الكاذب الذي ترفعه المنظمة- ومعها منظمات أخرى كثيرة جاءت لأهداف متباينة، لكنها تتفق في الخسة والإغاثة منها براء- إلى توظيف مهنة الصحافة في الخطف والاتِّجار في البشر، بل تحركت الدولة الفرنسية، ممثلةً في رئيسها ساركوزي، الذي لم يجد مفرًّا من الاعتراف بالجريمة، ولم يتردَّد وهو يطالب علنًا بحل "يحفظ ماء الوجه"، ثم وصوله فجأةً إلى تشاد ليصطحب المجرمين في طائرته الخاصة، مسميًا "الجريمة" بـ"المغامرة المؤسفة"، واعترف القضاة التشاديون بأنهم وقعوا تحت ضغوط سياسية قوية من قمة الدولة التشادية!!.

 

وهكذا انتهى الأمر وأُسدل الستار على جريمة متكاملة الأركان، لاقت العناية والحماية والتبرير من واحدة من كبرى الدول "فرنسا" التي تتحدث عن احترام القانون! والأنكى أن السلطات الفرنسية كانت تعلم تفاصيل تلك الجريمة قبل عدة أشهر، وفق ما كشفته المعلومات.

 

إن هذه الحادثة تفضح كل الشعارات والتحركات والخطب والمؤتمرات التي ترعاها فرنسا بالتعاون مع واشنطن ويتم من خلالها الحديث بكثافة عن حقوق الإنسان في دارفور، وتنطلق منها صواريخ الإدانة والتهديد والابتزاز للحكومة السودانية بصفتها- في عرفهم- تنتهك حق الإنسان هناك، فمن يصدِّق فرنسا بل الغرب جميعًا إذا تباكوا على حقوق الإنسان في بلادنا؟! إنهم يريدون إخلاء دارفور بل وبلادنا كلها إن استطاعوا لتقع بين أنيابهم ومن ثم يتاجرون بكل شيء فيها.

 

ولماذا نذهب بعيدًا، أليست فرنسا راعيةَ مسلسل الضغوط على ليبيا حتى تم الإفراج عن البلغاريات السبع المتهَمات بحقْن أطفال ليبيين بفيروس الإيدز؟! وذهب حكم القضاء بحقهن أدراج الرياح؟ وبقي أطفال ليبيا الذين ماتوا دون إنصاف، وبقي الذين على قيد الحياة منهم يتجرَّعون الألم والموت البطيء؟!!

 

تلك حوادث تم كشفها، ولا أشك لحظةً أن ما خَفِيَ كان أعظم، فما يدرينا لعل أطفالاً من العراق وأفغانستان، وأي منطقة منكوبة أو محتلة في بلادنا الإسلامية يباعون في أسواق تجارة الأعضاء أو تجارة الجنس، أو أي تجارة محرمة في أسواق العالم؟! فمن يحاسِب هؤلاء التجَّار إن كانوا مشمولين بحماية الدول؟!

 

إن سجن جوانتانامو مليء بالضحايا من العرب والمسلمين دون تُهَم أو محاكمة، ولم تستطع دولة عربية أو إسلامية استردادَ رعاياها إلا بشِقِّ الأنفس، بينما يطلق سراح الذين يضبطون متلبِّسين بجرائم خطف الأطفال خلال ساعات!!.

 

إن تاريخ الغرب الاستعماري في بلادنا مع حقوق الإنسان تاريخ أسود، وتاريخ فرنسا الاستعماري مع الإنسان الإفريقي أشدّ سوادًا، والثابت أنهم يتفاخرون بقتلنا والاتِّجار بنا وبأطفالنا، وما سمعنا أن أحدًا تحرك ضميرُه واعترف بندمه على ما فعل، ولذا فإن المجرمين الذين اصطحبهم الرئيس ساركوزي من تشاد إلى باريس لن يحاكَموا في فرنسا كما أعلن، بل سيكرَّمون وينعَّمون، وربما يتم إعدادهم لمهمة أخرى تؤخَذ فيها كل الاحتياطات ويتم تفادي الأخطاء!!.

--------

* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة (المجتمع) الكويتية- Shaban1212@hotmail.com