في نوفمبر 2007 تحل الذكرى التسعون لإعلان بلفور الصادر في الثاني من نوفمبر 1917م، كما تحل الذكرى الستون لصدور قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947م، والملاحظ أن هذه الذكرى لم تعُد تعني الإعلام العربي؛ ربما لأن الهزائم العربية والتراجع العربي أمام المشروع الصهيوني ومحطاته دفعت الإعلام العربي إلى الاعتقاد بالتركيز على الحاضر والمستقبل، وهما لا يقلان تراجعًا عن الماضي.

 

أدى ذلك إلى تراجع إدراك الأجيال العربية والشعوب عمومًا بخطورة التصريح والإعلان، وتفسير الكيان الصهيوني لهما في سياق المشروع الصهيوني، وبهذا الإغفال لهذا السبب أو غيره يتحقق الهدف الصهيوني، وهو القضاء على الذاكرة العربية؛ مما يفتح الطريق أمام مراجعة التاريخ السياسي لهذه المنطقة في نطاق ما يسمَّى ثقافة السلام.

 

لذلك يجب أن تحذر مراكز ثقافة السلام العربية من الوقوع في شرك مساعدة الفكر الصهيوني مثلما تفعل بعض الصحف "القومية" العربية، وهي على وعي كامل بدورها؛ أملاً منها في إرضاء دوائر يهمها إعادة كتابة التاريخ واغتيال الذاكرة القومية.

 

ولا بد أن يدرك الإعلام العربي خطورةَ دورِه في حراسة الوعي والذاكرة لدى الأجيال المتعاقبة، وتقديم الشروح المطولة والحواشي المستفيضة لأي حدث يتعلق بمسيرة المشروع الصهيوني، ووضعه في سياقه العربي الصحيح.

 

فتصريح بلفور وفقًا لاسمه هو تصريح يتضمن شعورًا بتعاطف الحكومة البريطانية مع رغبة اليهود في أن يكون لهم وطن قومي في فلسطين، مع احترام حقوق الأقليات الأخرى إذا ترجم في هذا السياق فإنه لا يعني الكثير، ويظل وفق صياغته محدودًا، ولكن إذا قرئ في سياق السياسة البريطانية التي بدأت بالإعلان رسميًّا عن موقف جديد من المسألة اليهودية حتى قبل أن تفرض انتدابها على فلسطين، ويعهد لها بالإعداد لإنشاء الدولة العبرية، فإن ترجمته العربية هي فعلاً وعد بلفور، ومع ذلك فإنني أفضل أن يظل تصريح بلفور كما ورد بنصه.

 

قيمة هذا الإعلان هي أنه نقطة البداية الرسمية في تاريخ طويل امتد 20 عامًا أخرى حتى يتبلور هذا الجهد البريطاني والأمريكي في استصدار قرار التقسيم، وبذلك تتضح العلاقة الوثيقة بين الوثيقتين، فالإعلان هو الخطوة الأولى في الطريق إلى التقسيم؛ لأن الإعلان أعقبه صكّ الانتداب وعناية السلطة البريطانية في فلسطين بتشجيع هجرة اليهود، ورعايتهم وتمكينهم ضد الفلسطينيين والقيام بعملية جراحية على الأراضي لزرع هذه الأقلية العنصرية في أحشاء فلسطين، حتى إذا فرضت هذا الأمر الواقع ووقع الصدام بين الجسد وهذا السرطان الغريب، تظاهرت بريطانيا بأنها عاجزة عن الاستمرار في وظيفة الانتداب فتخلَّت عنه من طرف واحد في أبريل 1947؛ مما مهَّد للحل الذي تبنَّته واشنطن، وهو تقسيم البلاد بين أهلها والقادمين الغزاة الذي تسللوا تحت الحماية البريطانية إلى أنسجة فلسطين وغزوا دورتها الدموية، وكلما ثارت دفاعات الجسد وجهازه المناعي ساعدت بريطانيا على قمعه؛ بحجة سلطة الانتداب ومهمته في حفظ الاستقرار والسلام الاجتماعي.

 

ولا بد من التوسع في شرح الدور الأمريكي الذي تعمَّدت كتب التاريخ العربي إغفاله؛ حتى تبدو أمريكا- كما قدَّمت نفسها- دولةً داعيةً للحريات، وليس لها في تاريخها في المنطقة ما يدينها، فمجلسا الكونجرس الأمريكي أقرَّا التصريح البريطاني في جلسة مشتركة عام 1922م؛ مما يجعل أمريكا شريكًا غير مباشر في التصريح، وأنها وإن خذل الكونجرس رئيسَها في بناء النظام الدولي الجديد بعد الحرب العالمية الأولى الذي أفسح المجال واسعًا أمام اليهود، فإن ذلك لم يمنعها من المشاركة بحماس في دعم الجهود البريطانية لسلب فلسطين من سكانها.

 

وإذا بدأت مشروعات التقسيم ولجان التحقيق بريطانية، فإن تقديم المشروع إلى الأمم المتحدة ودفعه للصدور بمختلف الوسائل كان جهدًا أمريكيًّا خالصًا.

 

لا بد أن تعرف الأجيال أن قرار التقسيم يناقض ميثاق الأمم المتحدة، وأنه صدر عام 1947م، في وقتٍ كانت موجةُ مناصرةِ الحريات عارمةً، تبلورت بعدها بعام في صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهي نفس الجمعية العامة التي سلبت الإنسان الفلسطيني حقَّه في أرضه، ومستقبله، وتقرير مصيره، لصالح فئة انتظمها مشروع عالمي بذرائع واهية، مدعيةً أنها شعب وقومية.

 

لا بد أن يُظهر الإعلام العربي لماذا رفض العربُ قرارَ التقسيم؟ ولماذا قبله الصهاينة فورًا؟ فالقرار فُرض لمجموعة غريبة على أرض شعب ينتظر بأمل أن تكون الأمم المتحدة صرْحَ الحريات والأمان للشعوب، ولكنه فوجئ بقرار التوصية، ولكنه أحيط بكل ضمانات الفعالية والنفاذ لأنه يعكس إرادة الكبار في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، فكان القرار أبلغ دليل على نفاق هؤلاء الكبار، وعلى كذب وعودهم للشعوب بعالَم متحرِّر من الخوف والعَوَز والقهر مفعم بالحريات والأمل.

 

والمؤسف أن الفقه السياسي والقانوني العربي قد عجز حتى هذه اللحظة في تحديد موقف مناسب من هذا القرار، فانحدر العالم العربي بعد تراجعه وتخاذله أمام انتصارات المشروع الصهيوني وارتفاع نجمه بشكل أذْهَل قادته الذين صرَّح كبيرُهم بن جوريون بالحقيقة، بأنه لو كان مكان العرب لقاوَم اليهود الذين استخدموا الإرهاب والخديعة والشرعية الدولية لنهب أراضيهم.

 

وإذا كان اليهود يعتقدون أن لهم في الأرض حقًّا مقدَّسًا فهذا يخصُّهم وحدَهم، ولا يعني العرب في شيء، والأنكى أن شامير- رئيس وزراء الكيان- قد حظر على العالم العربي في مؤتمر مدريد التذكير بقرار التقسيم، مؤكدًا أن القضية بدأت عام 1967م، ووقع العالم العربي في لعبة الخلط بين قرار مجلس الأمن 242 بصفته مرجعًا للتسوية وبين تفسير الصهاينة له بأنه تاريخ ميلاد الصراع العربي "الإسرائيلي"، محذِّرًا من ترديد قرار التقسيم الذي مات ودفن باعتباره عودة عربية إلى ضلالهم القديم السابق على مدريد 1991.

 

ولا بد أن يوضح الإعلام العربي الحقائق التالية حول قرار التقسيم:

الحقيقة الأولى: هي أن قرار التقسيم هو شهادة ميلاد "إسرائيل"، والدولة الفلسطينية على أرض فلسطين، وإذا كان اليهود قد تلقَّفوا القرار باعتباره منحةً من السماء أنزلتهم من أوهامهم التاريخية إلى الواقع وفسَّروه بأنه أول اعتراف رسمي من المجتمع الدولي بحق الشعب اليهودي في استرداد وطنه منذ آلاف السنين، فإن رفض الفلسطينيين والعرب له كان طبيعيًّا، فهو هديةٌ للغزاة، ولكنه كارثة على أصحاب الأرض، وإن عدم إقامة الدولة الفلسطينية على المخصص لها في القرار لا يقدح في حقها في إقامتها حين يشاء الفلسطينيون.

 

الحقيقة الثانية: هي أن تنكُّر "إسرائيل" لقرار التقسيم بعد توظيفه في إنشائها يعني العودة إلى ما قبل القرار ما دام القرار هو شهادة ميلادها، كما أن هذا التنكُّر يعني انتهاك أهم شروط قبول "إسرائيل" في الأمم المتحدة بقرار الجمعية العامة رقم 273 في مايو 1949؛ مما يبطل عضوية الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة.

 

الحقيقة الثالثة: إذا كان قرار التقسيم على هذا النحو من الأهمية والدلالة في المشروع الصهيوني كما فسَّره الصهاينة، فلا بدَّ أن يشرح الإعلام العربي أسباب الإغفال الكامل من جانب الكيان لهذا القرار، وكان يتعيَّن عليه أن يعتبر تاريخ صدور القرار هو عيده الوطني، ومن الواضح أن المشروع الصهيوني بدأ متجسِّدًا على الأرض بقرار التقسيم، لكنه تجاوز بكثير؛ ولذلك لا يمكن أن يعود الكيان إلى المحطة الأولى بعد ستين عامًا من المحطة الأولى في ظل العجز العربي وتآكل أوراق ومقومات قوته.

 

الحقيقة الرابعة: هي وهم "إسرائيل" بأنها تحتفل كل عام بعيدها الوطني وهو تاريخ قيامها ليلة 15 مايو 1948م، واعتبرت إعلان قيامها بأنه إعلان الاستقلال، ويوم قيامها اعتبرته يوم الاستقلال عن بريطانيا.

 

والمتأمل في هذا القول يدرك أنه صادرٌ عن خيال مريض، ذلك أن الشعب الذي عانى من الاستعمار البريطاني هو الشعب الفلسطيني، وأما اليهود فقد وثبوا على فلسطين بمعاونة هذا الاستعمار الذي مكَّن لهم؛ ولذلك فإن تخلِّي بريطانيا عن انتدابها على فلسطين في أبريل 1947م هو في الواقع تاريخ استقلال فلسطين.

 

فكيف يصبح الغزاة مستقلين عن الغازي وكلاهما غازٍ لفلسطين؟! وكيف يصبح الاستعمار المساند للمشروع الصهيوني مستعمرًا، وتوهم اليهود أنهم قاوموه، فشوَّهوا صورة المقاومة الشريفة المقدسة عبر التاريخ؟! إذ كيف يسوَّغ أن تصبح مقاومة اللصوص للشرطة- وهي تتظاهر بمحاولة إخراجهم من منازل الآمنين- مقاومةً مشروعةً.. باعتبار قتلاها شهداء، وعناصرها أبطالاً؟!