قرارٌ صائبٌ ذلك الذي أعلنه الصحفي الكبير "أحمد عز الدين" بالترشيح لانتخابات مجلس نقابة الصحفيين من وراء القضبان؛ حيث يدفع من صحته وعمره ثمنًا لقلمه وفكره الذي طالما رفعه في وجه الظلم والفساد والاستبداد في مجلات وصحف "الدعوة" و"لواء الإسلام" و"الأسرة العربية" و"آفاق عربية" و"الشعب" و"المجتمع" وغيرها.. لم تنحنِ هامات هذا الصحفي الشامخ إلا لخالقه، ولم يكتب إلا ما يُؤمن به ويدافع عنه مهما كلَّفه ذلك.

 

كان يمكن لـ"عز الدين" أن يكون مثل شبابٍ كثيرين تخرجوا من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عندما كان- ولا زال إلى حدٍّ ما- الخريجون منها أقليةً في وسط أقرانهم من الكليات الأخرى بأن يسعى للبحث عن وظيفةٍ في مؤسسة حكوميةٍ رسميةٍ، ويستمر بها ويكتم أفكاره ويسعى إلى التسلق عبر الاستفادة من الرصيد المعرفي والفكري الذي يتحصل عليه خريجوها في خدمة الاستبداد والفساد كما فعل البعض، ولكنه اختار أن يكون مدافعًا عن الحريات مثلما فعل أساتذة وزملاء له سبقوه أو تخرجوا معه من نفس الكلية أمثال الدكتور حامد ربيع رحمه الله، ود. عبد الحميد الغزالي ومجدي أحمد حسين وحازم غراب، وغيرهم الكثيرون.

 

لم يُلاقِ صحفي مصري حتى الآن مثلما لاقاه "عز الدين" من عنتِ السلطة وتجبرها أمام قلمه، ولكنه لم يسعَ لأن يكون بطلاً في أعين الآخرين، وهو بالفعل بطلٌ تحمَّل ما لم يستطع آخرون تحمله.

 

أحمد عز الدين منذ أن عاد من الكويت عام 2004م قضى أكثر من سنةٍ ونصفٍ خلف الأسوار، المرة الأولى كانت بعد عودته بفترةٍ قصيرةٍ؛ حيث قضى أكثر من ستة أشهر؛ لأنه فكَّر في العودة إلى الكويت لإنهاء بعض الإجراءات الخاصة بتركه العمل في المجلة التي كان يُدير تحريرها، والسبب الغريب أنه لم يستأذن أمن الدولة قبل أن يُغادر مصر!

 

التهمة أنَّ صحفيًّا لم يستأذن ضابطًا في أمن الدولة قبل أن يسافر، والعقاب أن يُسجن احتياطيًّا لمدةٍ تزيد عن الشهور الستة.

 

أما المرة الثانية فهي تلك التي وجد نفسه فجأةً مُحالاً إلى المحاكمة العسكرية في قضية طلاب الأزهر الذين برَّأتهم النيابة، إضافةً إلى أن الأمن يعلم تمام العلم أن عز الدين ليس له علاقة بأي ملفاتٍ تنظيميةٍ أو أي قسمٍ من أقسام الجماعة، ولكنه في النهاية صحفي يملك رؤية وفكر، وصاحب همة قل أن تجدها في الشباب، ورجل في زمنٍ عزَّ فيه الرجال، وبسبب ذلك يُحاكم الآن عسكريًّا، وهي المحاكمة التي لم يواجهها من قبله من الصحفيين إلا اثنان الأول وكيل مجلس النقابة الحالي صلاح عبد المقصود، وحصل على إفراجٍ في القضية الشهيرة عام 1995م، والثانية للصحفي والنائب البرلماني حاليًا محسن راضي الذي حصل على حكمٍ بثلاث سنوات سجن عوَّضه الله عنها خيرًا بثقة أهل دائرته فيه واختياره نائبًا عنهم في دائرة بنها.

 

نضال عز الدين بالقلم وتحمله لكلِّ ما يواجهه يجب أن يكون طاقةً للصحفيين كي يكونوا أكثر إصرارًا على موقفهم الثابت من الحريات بعيدًا عن الأيديولوجيات والأفكار، فالقضية الرئيسية التي يتوافق عليها جموع الصحفيين المصريين على اختلافِ مشاربهم أن حرية الصحفي خط أحمر يجب عدم الاقتراب منه.

 

المواقف الإيجابية التي اتخذها الصحفيون بجانب الصحفيين الأربعة (إبراهيم عيسى ووائل الأبراشي وعبد الحليم قنديل وعادل حمودة)، ثم مع أنور الهواري ورفاقه في الوفد، يجب أن تستمر وبدرجةٍ أقوى مع عز الدين الذي يُحاكَم أمام محاكم غير مختصةٍ بمحاكمةِ مدني صاحب قلمٍ مع احترامنا للقائمين عليها.

 

تصويتنا نحن الصحفيين يجب أن يكون موجهًا لدعم قضية الحريات حائط الصد الأخير الذي نملكه أمام نظامٍ يُحارب الجميع ويسعى لاستعمال أسلحة عدة لهدم حصنٍ حصينٍ من حصون الحرية في مصر، وهو نقابة الصحفيين.

 

نعم يجب أن تتجه أصواتنا إلى مَن يدافع عن كرامتنا وحقِّنا في ممارسة المهنة بالطريقة التي كفلها لنا الدستور والمواثيق الدولية.

 

لن ننتخب عضوًا أو نقيبًا من أجل الخدمات فقط، بل الحريات أولاً ثم يأتي بعدها كل مرشحٍ بخدماته وبرنامجه.

 

الحريات هي المعيار الأول الذي سنحكم به على كل برنامجٍ انتخابي في نقابة الصحفيين؛ لأنها ليست قضية فرد ولكنها قضية مهنة ووطن.

 

لن ننخدع بخدمات ووعود زائفة طالما ظلت مهنتنا في خطرٍ، وحريتنا مهددة، وزملاء لنا يسجنون ويحاكمون على بضع كلمات كتبوها - نتفق أو نختلف معها- ليست أشد خطورةً بل ليست في موضع مقارنة مع جرائم مادية تُرتكب بحقِّ هذا الشعب من فسادٍ واستبدادٍ وبطالةٍ وفقرٍ واحتكار.

 

أدعو زملائي الصحفيين الحريصين على هذه المهنة السامية، وعلى أقلامهم التي لا يملكون غيرها للدفاع عن حرياتهم وكرامة وطنهم أن يصوتوا في الانتخابات القادمة وكل انتخابات لمَن ينحاز لهم ولهم فقط ولحقوقهم.

 

سوف أنحاز وأصوت لكلِّ مَن يرفع الحريات شعارًا لبرنامجه الانتخابي، وسوف أنحاز أكثر لمَن يسعى عمليًّا لرفع الظلم الواقع عن زملائه، وعلى رأسهم عز الدين، وسوف أعمل بكل جهدي مع كلِّ مَن يعمل كي يكون عز الدين بيننا مرةً أخرى صحفيًّا وعضوًا في مجلس النقابة.. إن شاء الله.