![]() |
|
محمد السروجي |
عزمتُ ألا أكتب عن المؤتمر التاسع للحزب الوطني كعزمي على عدم الكتابة عن مؤتمر السلام القادم للتشابه الكبير بينهما؛ فالأول غطاء ديمقراطي هيكلي وشكلي لترتيب الأوراق والأدوار، وإزاحة أشخاص وتقريب آخرين، وفي جميع الأحوال لن يعود بفائدة على الشعب، بل سيعود بخسارة مالية، تساوي تكلفة فاعليات المؤتمر 3 ملايين جنيه يوميًّا!! والصفقات الاقتصادية النووية التي ستُعقَد بين أروقته.
وعلى الطرف الآخر، فمؤتمر السلام المنتظَر قد لا يتم أصلاً، وجميع الأطراف المرغمة على المشاركة فيه غير متفائلة بالنتائج، وهو أيضًا غطاءٌ أمريكيٌّ لترتيب الأوراق والأدوار في المنطقة، وفي جميع الأحوال سيكون المؤتمران منتديَيْن للكلام لا للعمل والسلام، والتاريخ خير شاهد, لكن ما دفعني- بل استفزَّني- للكتابة هو التصريح الذي أدلى به الوزير صفوت الشريف لجريدة (الشرق الأوسط) حين قال: "إن الشعار الجديد لهذا العام هو: بلدنا بتتقدم بينا، بمعنى أن المواطن هو محور جميع أوراق المؤتمر".
وبغضِّ الطرف عن ركاكة العبارة لغويًّا، وبصفتي مواطنًا محلَّ اهتمام بأوراق المؤتمر، وعلى مشارف الخمسين من عمري، وشاهدَ عيانٍ على أداء منظومة الحكم بجناحَيْهَا الحزبي والحكومي.. أعرِض بين يدَي السيد الوزير طرفًا من الواقع المؤلم، والتجارب الفاشلة، والتي هي نتاج فترة حكم الحزب الذي يشغل فيه سيادته منصب الأمين العام.
واقع مؤلم ومأزوم
تعاني مؤسسة الحكم الحالية حالةً من التردِّي والتردُّد على المستوى الفكري والأيدلوجي؛ حيث إنها لا تملك رؤيةً سياسيةً واضحةً، ولا مشروعًا إصلاحيًّا محددًا، بل إن الحزب الحاكم ليس كيانًا سياسيًّا بالمفهوم الدستوري والقانوني، بل هو نادٍ اجتماعيٌّ للمسنِّين وأصحاب المصالح ومراكز القوى، ومخزنٌ لبقايا ونفايات التنظيمات التي خلَّفتها الحكومات المتعاقبة منذ ثورة يوليو 1952م، يظهر هذا جليًّا في كمِّ الشعارات التي تُرفع سنويًّا في الانتخابات أو في المؤتمرات، ثم تسقط بسبب عدم المصداقية وغياب إرادة الإصلاح، ومنها الديمقراطية والتنمية والاستقرار، ثم الفكر الجديد والعبور إلى المستقبل، فالانطلاقة الأولى، وأخيرًا "بلدنا بتتقدم بينا"!!
هذا على المستوى الفكري، أما على مستوى الممارسة والأداء فحدِّث ولا حرج عن الفشل والإخفاقات التي تلاحق منظومة الحكم على كافة المستويات، ومنها:
* الفساد السياسي، المتمثِّل في تزوير إرادة الأمة في كافة الانتخابات، من الاتحادات الطلابية، مرورًا بالمجالس النيابية، وانتهاءً بالانتخابات الرئاسية.
* حبس واعتقال أكثر من 100 ألف مواطن خلال العقود الثلاثة الأخيرة، من كافة ألوان الطيف السياسي، خاصةً الإسلامي.
* التجاوزات اليومية للجهاز الأمني ضد المواطنين في أقسام الشرطة ومقارّ أمن الدولة، والتي رصدته المنظمات الحقوقية المحلية والدولية (567 حالة تعذيب، مات منها 167 حالة في السنوات الخمس الأخيرة، حسب تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان).
* عدم تنفيذ عشرات الآلاف من الأحكام القضائية بسبب تعنُّت جهات الإدارة.
* الفساد المالي والإداري الذي بلغ نسبًا مرعبةً، 70 ألف قضية فساد أمام النيابة الإدارية لعام 2006م، بمعدل 69% من حجم التعامل الحكومي، و55% من الشعب المصري يتعاملون بالرشوة (د. أحمد درويش وزير الدولة للتنمية الإدارية).
* تهريب200 مليار دولار جنيه للخارج (تصريح الدكتور عزيز صدقي رئيس الوزراء الأسبق).
* تضخُّم الدين الخارجي إلى 36 مليار دولار، والمحلي إلى أكثر من 750 مليار جنيه مصري.
* انخفاض الاستثمار الأجنبي بنسبة 40%، وهروب الاستثمار الوطني إلى الخارج بزيادة قدرُها 55% في الفترة 2003/ 2006.
* زيادة معدلات الفقر والمعاناة المعيشية اليومية للمواطن؛ 75% من المصريين الدخل اليومي لهم أقل من 2 دولار.
* عدد المهاجرين إلى الخارج تجاوز 5 ملايين, منهم 82 ألف عالم بخسارة تقدَّر بـ60 مليار دولار، وعدد طالبي الهجرة إلى الخارج تخطَّى 6 ملايين, معظمهم إلى أمريكا وكندا.
* الفشل الاجتماعي المتمثِّل في 3.5 ملايين دعوى قضائية بين الجيران (د. مازن الطحان- مركز العلوم والتكنولوجيا) و2355 حالة انتحار (المركز القومي للسموم جامعة القاهرة)، و52 ألف حالة اغتصاب وتحرش جنسي (المركز القومي للبحوث الجنائية)، و19% حالات قتل الأسرى من الإجمالي العام لحالات القتل عن عام 2006، فضلاً عن معدلات الطلاق التي بلغت 33% والعنوسة وصلت إلى 9 ملايين؛ فتياتٍ وفتيانًا (الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء).
* تزايد أعداد حالات الجاسوسية من المصريين لصالح العدو الصهيوني (67 حالة منذ اتفاقية كامب ديفيد).
* تدهور الحالة الصحية للمواطن بسبب الأغذية والمبيدات الفاسدة على النحو التالي: الالتهاب الكبدي الوبائي 20%, السكر 10%, السرطان تضاعف 8 مرات, الفشل الكلوي أكبر معدَّل في العالم, الاكتئاب النفسي 16 مليون مواطن.
هذا جزء من رصيد وتاريخ مؤسسة الحكم الحالية، بجناحَيْها الحزبي والحكومي؛ لذا أقول- وبكل يقين- إنه لا أملَ فيها؛ لأنها أخذت فرصتَها كاملةً في الوقت (ربع قرن) والإمكانات والصلاحيات، والحل هو إزاحتها بكافة الطرق السلمية وفي أسرع وقت؛ حفاظًا على ما تبقَّى من الوطن!!
--------------
* مدير مركز (الفجر) للدراسات والتنمية- M_SROGY@YAHOO.COM
