منذ نحو تسعين عامًا- وتحديدًا يوم 2 نوفمبر 1917م- أعلنت وزارة الخارجية عن ما يسمَّى بـ"وعد بلفور"، وهذا نصه:
عزيزي روتشيلد..
يسرني جدًّا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته التصريحَ التاليَ، الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود، وقد عُرِض على الوزارة وأقرته:
"وإن حكومة صاحبة الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهَم جليًّا أنه لن يؤتَى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية، التي تتمتَّع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.
وسأكون ممتنًّا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علمًا بهذا التصريح"..
المخلص/ آرثر بلفور
لفت نظري في هذا التصريح عدة أمور:
آرثر بلفور

* إن أماني اليهود منذ أكثر من 90 عامًا أوامرُ تنفَّذ، وأحلامٌ تتحقَّق، عبر القوى العظمى المسمَّاة بالقوة الإمبراطورية أو القطب الأوحد، وإن هذه القوى العظمى دائمًا ما تتعهَّد ببذل غاية الجهد، ولا تدَّخر وسعًا في تنفيذ غايات وأهداف اليهود.
* إن فلسطين منذ قديم الأزل لا يعامَلون كأصحاب أرض أو حق، إنما يعامَلون كرعايا مسموح لهم بإقامة شعائرهم، وبالأكل والشرب، أما أن تكون لهم دولة لها سيادة أو حكم، أو تُرَدُّ أراضيهم، وتُصان مقدساتُهم.. فلا، وهو نفس المطروح الآن على الشعب الفلسطيني؛ لا دولة ولا حدود ولا مطارات ولا مياه، ولا عودة للاجئين، ولا تقسيم للقدس؛ إنها قدس واحدة موحَّدة لليهود، فالوعد واضح منذ البداية.
* عندما صدر هذا الوعد اتصل هرتزل بزوجته، وهنَّأها بقوله: "مبروك.. المولود ذكر".
ما هو الهدف من هذا الوعد؟!
1- إيجاد كيان يهودي سياسي في فلسطين، يظل خاضعًا لهم، يدور في فلَك القوى العظمى، يحقق مصالحها، وبحاجة إلى حمايتها ورعايتها، ويكون "مشغلةً" للعرب، ينهك قوتهم.
2- أن يشكِّل هذا الكيان حائطَ صدٍّ ضدَّ وحدة العرب والمسلمين.
3- لم يكن اختيار فلسطين اختيارًا عشوائيًّا، بل من أجل الفصل بين إفريقيا وآسيا، حتى إنه نُشِرَ في صحيفة (مانشستر جارديان) لـ"تشازلز سكوت" عام 1916 ما نصُّه: "كانت بلاد ما بين النهرين مهدَ الشعب اليهودي، ومكانَ منفاه، وجاء من مصر موسى مؤسس الدولة اليهودية، وإذا ما انتهت الحرب العالمية الأولى بالقضاء على الإمبراطورية في بلاد ما بين النهرين، وأدَّت الحاجة إلى تأسيس دولة يهودية في فلسطين، فسيكون القدر قد دار دورةً كاملة".
الدوافع
- عدم قبولهم في أوروبا وإثارتهم للمشاكل.
- المصالح المشتركة بين الحركة الصهيونية والقوى العظمى.
ودائمًا ما يحدث التحالف الثلاثي بين:
- استبداد داخلي "ديكتاتوريات" أو احتلال أجنبي.. احتلال إرادة أو احتلال أرض.
- عدد إقليمي يفرض العزلة والفرقة والحصار ويكون عازلاً بين الأقطار في تحقيق الوحدة.
- استكبار عالمي، وهو ما يسمَّى بالقوة العظمى.
هذا التحالف الثلاثي في الماضي أدَّى إلى:
* في يوم 29/10/1923م أُعلِنَ سقوط الخلافة التي كانت تشكِّل إطارًا وحدويًّا ترفض مطامع اليهود، حتى قال السلطان عبد الحميد- وقد عُرضت عليه رشوة مقدارها 20 مليون ليرة تركية-: "لا أبيع قدمًا واحدةً من البلاد بكنوز الأرض".
* في يوم 29/10/1948م قامت عصابات "الهجاناه" بضربِ فلسطين وطردِهم من أراضيهم؛ حيث قامت العصابات الصهيونية بوضع إستراتيجية من منطلق ديني؛ فيقول بن جوريون: "من كان مؤمنًا فيجب أن يعيش في إسرائيل.. وكل يهودي يعيش خارجها فلا إله له".
وكان يشجع على الهجرة، ويُبيد الفلسطينيين بالقتل والحرق والهدم، منطلقًا من التوراة: "اقتل كل مسلم، واحرق كل أرض، واهدم كل بنيان؛ حتى تنفع يهودي بفلس واحد"، وحتى يتمكن من التغيير الديموجرافي في التركيبة السكنية.
مارَسَ الإبادة الجماعية أو ما يسمَّى بـ"التطهير العِرقي"، وكان يشبِّه أرض فلسطين بجِلد الإبل ويقول: "جلد الإبل إذا عطش وجاع انكمش، وإذا شبع وارتوى تمدَّد؛ فهذه الأرض تتسع وتكبر إذا سكنها شعبُ الله المختار؛ فتشجيع الهجرة تجعل الأرض تتمدد حتى تصل من النيل إلى الفرات، واعتماد الصهاينة على الحرب لا على السلام؛ فيقول بيجن: "أنا أحارب إذن أنا موجود"، ويقول: "ما أُخذ بالدم لا يُعطَى بالكلام"، ويقول: "ما أُخِذ بالحرب لا يُعطَى بالسلام".
وكأن هذه الكلمات- وهي تقرع مسامعنا- تصف الوضع الراهن، وتلقَم من يجري خلف مؤتمر "الخريف" أنما يجري خلف "تخاريف السلام"، فلا يُصنَع سلامٌ إلا بعد الحرب، ولا تُمنَح أرضٌ مجانًا، إنما بالقوة ﴿وَأعِدُّوا لَهَمُ مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60).. وهذا هو وعد الله، إن القوة هي السبيل؛ فما أُخذ بها لا يُسترَدُّ بغيرها.