شعبان عبد الرحمن

 

"الظاهرة".. وإن بدت غريبة على تربتنا العربية فإن عوامل عديدة أسهمت في استنباتها ورعايتها عبر عقود من الزمن. وإن بدت مهددة للبنيان الاجتماعي فإنها نتيجة حتمية لأمراض مزمنة تنذر بانهيار ذلك البنيان.

 

والحقيقة أن ظاهرة «فتح الإسلام»، و«جند الشام» وغيرهما لم تبرز فجأة في لبنان المبتلى.. فهي موجودة منذ سنوات في مخيمي نهر البارد وعين الحلوة كفكر، وهي بصفة عامة امتداد لفكر التكفير ومقاتلة المجتمعات حينًا، ومحاربة الحكومات في كل الأحيان.

 

وقد برز ذلك الفكر داخل سجون عبد الناصر في الستينيات على أيدي شكري مصطفى وغيره، ثم تناثرت شظاياه في المنطقة العربية مصيبةً كل من تقابله في طريقها. وتلك «الظاهرة» أشبه بلوامع البرق تظهر على فترات من منطقة إلى أخرى، فتحدث ضجيجًا وتخلف خسائر جمة، أبرزها يصيب بنية المجتمع بالاضطراب والفوضى، ويفقد الوطن مئات الآلاف من أبنائه ويستنزف مقدراته الاقتصادية.

 

ومن يراجع ما خلفته عمليات العنف في مصر على امتداد خمسة عشر عامًا تقريبًا (1981-1996م)، وفي الجزائر منذ عام (1991م)، حتى اليوم، وما بدأ يحدث في السعودية ثم المغرب ثم لبنان.. وهلم جرا، حتماً سيصاب بالفزع من هول ما أصاب الاقتصاد والاستقرار والحياة بصفة عامة بالشلل، بعد أن أغرق الناس في بحار من الدماء، وإن الحالة الجزائرية هي النموذج الأبرز في ذلك (أكثر من 150 ألف ضحية، وما يزيد على ملياري دولار خسائر، الهجرة فرارًا من العنف، اقتصاد متآكل، بطالة، ومشكلات أسرية...) أضف إلى ذلك عملية توريط الجيوش وقوات الأمن الوطنية في مطاردات وملاحقات، وحرب داخلية تصب كلها في قائمة الخصم من رصيد الوطن وخراب الديار.

 

وكما أن «للظاهرة» بريقًا يخطف الأبصار كلما لمع، فإن لمسمياتها أيضًا بريقًًا يخلب الألباب، فعناوينها في غالب الأحيان جاذبة، ولها وقع على القلوب في معظم الأحيان وعلى العقول في بعضها.. «فتح الإسلام»، «جند الشام»، «الجماعة الإسلامية»، «جماعة الجهاد»، «جماعة المسلمين».. أليست كل تلك العناوين التي تتبنى «الإسلام» تلقي بظلالٍ كثيفةٍ على الدين ذاته والفكر الإسلامي بصفة عامة، وتصنع حالة من الصدود داخل المجتمعات حيال العاملين للإسلام، وتمثل في الوقت نفسه فرصة ذهبية للأنظمة المستبدة لكي تطيح بالعمل الإسلامي كله بكل ما تستطيع، كما تمثل فرصةً ذهبيةً للمتربصين بالإسلام في الغرب.. ويكفي أن تقدم الآلة الإعلامية في الغرب مادةً للجماهير حول خطاب أو فكر «فتح الإسلام» أو من على شاكلتها، وعندها لن تكون في حاجة بعد ذلك للتخويف من الإسلام أو التحريض على المسلمين!

 

الغريب أن أيًّا من الأنظمة لم يهتم بدراسة الظاهرة دراسة علمية تتمخض عنها حلول ناجعة، وترسم بناءً عليها إستراتيجية متكاملة للعلاج.. نعم فقد أجريت عشرات- بل مئات- الدراسات من المتخصصين، لكنها ظلت في دائرة التحليل والكلام على الصفحات أو عبر الأثير، بينما استمرت الأنظمة تتعامل مع الظاهرة بالطريقة الأسرع عبر «السلاح» فقط!

 

إن ضحايا تلك "الظاهرة" من البشر وخسائر الاقتصاد الوطني والضربات التي يتلقاها المجتمع بسببها أكبر بكثير من الخسائر الناجمة عن الحروب بين الدول، فلماذا لا توضع إستراتيجيات متكاملة لعلاجها بعيدًا عن توريط الجيوش فيها وحدها؟!

 

المشكلة أن رؤية أنظمة الحكم الرسمية ظلت محصورة في التعامل الأمني من جانب، ومن جانب آخر فإن بعض الأنظمة وجد في هذه «الظاهرة» تكأة مجانية ليواصل كبته ودكتاتوريته وإقصاءه للشعوب.. ولو أن هناك جديةً في العلاج فلماذا لم تبادر تلك الأنظمة التي تراقب «دبة النملة» للعلاج عند بروز هذه الظاهرة في أي مكان؟ ولماذا تغاضت عنها حتى استفحلت وترعرعت بهذا الشكل وتركت المجتمعات تكتوي بنارها؟!