د. أحمد دياب

 

انطلاقًا من حقنا الدستوري كنواب عن الشعب في تعديل واقتراح بين بنود الموازنة وأبوابها، تطلعنا وأفراد الشعب جميعًا أن نرى موازنةً تحقق شيئًا من التوازن بين أبوابها، ومن ثَمَّ تستطيع أن ترفع عبءَ وضغوطَ الحياة التي تكدر حياة المصريين ووصلت ببعضهم إلى حدِّ الانتحار، موازنة تستطيع أن تدفع بالوطن نحو تنميةٍ شاملةٍ تقيل عثرته وتعيد إليه مكانته، ولكن للأسف وكالعادة قررت الأغلبية أن يستمر الانفصام بين النصوص الدستورية والممارسة الفعلية، أو في أحسن الأحوال- وكما حدث هذا العام- أن تأتي الممارسة شكليةً، إذ لا مانع من بعض "الرتوش" لزوم الإعلان عن السبق التاريخي- كما قال وزير المالية- في توافق مجلس الشعب مع الحكومة في تعديل بعض البنود، والمهم أن السيناريو مرَّ كما تريد الحكومة، على طريقة موازنة.. موافقة..!! أقصد موافقون.. موافقة.

 

في الحقيقة ولكي نرى موازنةً حقيقيةً- من وجهة نظري- فلا بد من توفير الإرادة وتطوير الإدارة لتحقيق الموازنة بين عدة أمور، اذكر منها:-

 

1- الموازنة بين حجم حديث الحكومة عن الجودة وحجم العمل الفعلي المبرمج لتحقيق هذه الجودة.

 

وفي هذا السياق نتساءل: متى نرى مشروعَ موازنة الحكومة في صورة موازنة برامج، يربط التكلفة بالأهداف بالتوقيت الزمني، حتى لا تكون كما هي بصورتها الحالية موازنة بنود- مجرد جدول أصم، وكتل من الأرقام والمبالغ التي لا ندري هل حققت أهدافها وبأي جودة أو كفاءة وفي وقتها أم تأخَّرت؟ فإذا كانت الجودة هي تحقيق الهدف بأعلى كفاءة وبأقل تكلفة وأقل زمن، فإن البون شاسع والهوة سحيقة بين الجودة وأداء الحكومة، بل ربما صارت الجودة غايةً لا تدرك.

 

2- الموازنة بين ما يسرق وما ينفق، وما يستثمر وما يهدر.

أولاً: ارتفاع فاتورة الفساد في مصر عامًا بعد عام؛ حيث يُقدِّرها البعض بـ90 مليارًا والبعض بـ50 مليار جنيه سنويًّا، وعلى أقل تقدير- كما أشارت دراسة أكاديمية لرئيس أكاديمية السادات السابق منذ عدة سنوات- تقول إن مصر تخسر سنويًّا 38 مليار جنيه من بينها 15 مليار جنيه مخدرات و23 مليار جنيه فسادًا ماليًّا وإداريًّا.

 

ثانيًا: وفي مجال الإهدار والفشل في الاستثمار حدِّث ولا حرج، فالحكومة فشلت في معالجة الأداء المتدني للهيئات العامة الاقتصادية الذي وصل حد الكارثة؛ حيث وصلت مديونيتها إلى 72 مليار جنيه لعام 2004م، 2005م في حين كان عائد استثماراتها بنسبة 2.1%، يعني "جنيهان وعشرة قروش لكل مائة جنيه في السنة"، ويا له من استثمار..!

 

ثالثًا: ما زال الماء يملأ فاه الحكومة إزاء المليارات المهربة والتي يُقدِّرها البعض بأكثر من 200 مليار دولار، ولعلها وصلت إلى الخارج بعلم الوصول، أو خرجت بعلم الخروج..!

 

 رابعًا: ما زالت الحكومة تجِِرب ولا تستثمر، واسألوا توشكى فإن لم تجب، فاسألوا فوسفات أبو طرطور التي أهدرت الحكومة فيها أكثر من 11 مليار جنيه...!! واسألوا الحكومة عن حصيلة الخصخصة، وعن الفرق بين البيع العشوائي للشركات، وبأبخس الأثمان وبين خصخصة الإدارة وتطويرها للحفاظ على العمالة بدلاً من تشريدهم، وتحفيزهم على الإنتاج بدلاً من تسريحهم.

 

3- الموازنة بين دعم الأغنياء ودعم الفقراء:

أولاً: في ظل الحديث عن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية زادت نسبة مَن يعيش بأقل من دولار في اليوم إلى 20.2% من أفراد الشعب، بالمناسبة كانت في بداية الخطة الخمسية الحالية للحكومة 16.7% أي أن معدلات الفقر في زيادة مستمرة بفضل الأداء الاقتصادي "المتميز" التي تطالعنا به الحكومة في كل مناسبة، وحتى بعض المؤشرات التي شهدت تحسنًا، لم تتحقق عدالة التوزيع إذ لم يأتِ في صالح الفقراء ومحدودي الدخل.