المصري الحبيب..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

فهل هي صيحة في وادٍ ونفخة في رماد؟ لا أظن.. صحيح أن بعض الكلمات لا تترك أثرًا يُذكر، إلا أن بعضها قد يُحدث أثرًا سريعًا ويتبخر سريعًا أيضًا.. بعض الكلمات تؤثر بعد وقت وببطء، لكنها تبقى مع النفس زمنًا، وبعضها الآخر يتغلغل إلى أعماق العقل والقلب ويعيش معه ما بقي صاحبه على قيد الحياة.

 

أنا أقول هذا بمناسبة ما سمعته وقرأته للبعض (تعليقًا على ما أكتب) وكأني بهم يقولون لا تجهد نفسك ولا تتصور أن محاولاتك سوف يكون لها صدى.. أنت كمن يحرث في البحر، ويمضغ الماء، ويقبض على الريح..

 

الحقيقة أن الذي يشغلني دائمًا هو مدى ما تتمتع به الكلمة من صدق وإخلاص، فكلما كانت الكلمة صادقةً وخرجت من القلب تلقَّاها الناس بالقبول والرضا، ودخلت إلى قلوبهم دون استئذان، والعكس صحيح.

 

أيضًا كلما قُصد بالكلمة وجهُ الله والمصلحة العليا للوطن تولَّى الله عز وجل شرْحَ الصدور لها وهداية الناس بها، والعكس كذلك صحيح، كما لا يفوتني أن أؤكد على حقيقة كبرى تعيش في وعيي وحسِّي ووجداني، وهي أن الشعب المصري- بشكل عام- يتمتع بذكاء اجتماعيٍّ فذٍّ، قادر على التمييز بين الطيب والخبيث، بين ما ينفعه وما لا ينفعه، ومن ثم لا يمكن خداعه أو الضحك عليه، وإن حدث هذا بعض الوقت فلا يمكن أن يستمر طول الوقت.

 

من ناحيتي أنا لا أغفل الظروف القاسية التي يمر بها الشعب المصري، ولا أستطيع أن أغضَّ الطرف عن حالة التدهور والانهيار والتدنِّي في التعامل مع حقوق الإنسان، والتي يلمسها القاصي والداني، كما لا أجهل المعاناة الشديدة التي يئنُّ تحت وطأتها كلُّ مصري في كافة المجالات والميادين.. السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

ولكنني أنبِّه- ودوري أن أقوم بالتنبيه- إلى حجم المؤامرة التي تتعرض لها أنت كمصري، والتي تستهدف تحطيم معنوياتك، وكسْر إرادتك، وهزّ صمودك، وزعزعة إيمانك.. أنا أريد أن ألفت انتباهك إلى أن تغيير هذا الواقع المؤلم يأتي منك.. منك أنت، وليس من أحد غيرك، من داخلك أنت وليس من خارجك، من نظرتك إلى نفسك وإلى من حولك، من نظرتك إلى الكون والحياة والوجود.. من نظرتك إلى جوانب العظمة فيك وأنها موجودة فعلاً، وأنها حقيقةٌ وليست خيالاً، لكنها تحتاج إلى بحث وتنقيب واكتشاف وتوظيف، حقًّا كما قال المولى جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين﴾ (العنكبوت: 69)، ومصداقًا لما قاله ربنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).

 

والبداية هي أن تستعيد ثقتك بنفسك.. أن تخرج من دائرة الإحباط والتشرذم واللا مبالاة.. هذا أمر مهم.. مهمٌّ جدًّا، وهو في الوقت ذاته ممكن، شريطةَ أن تكون لديك إرادة وعزم وتصميم.. هذا هو السبيل المؤكد للسير في الطريق الصحيح نحو الأخذ بزمام المبادأة.

 

ومهمتنا نحن أن ننبِّه العقول والأفهام، ونوقظ القلوب والوجدان، ونستحثُّ الهمم والعزائم.. أن نُذكِّر الشعب بتاريخه وأمجاده وبطولاته وانتصاراته، ونحن لا نسعى بهذا إلى تخدير الشعب، أو لنجعله يعيش في أوهام الماضي، بعيدًا عن مأساة الحاضر، فيكتفي بما كان له من مجد تليد.. كلا.. نحن نريده أن يستلهم الدرس والعظة والعبرة، وأن يعلم أن للنصر سننًا، كما أن للهزائم سننًا أيضًا.

 

وإذا كانت هناك شعوب مرَّت في تاريخها بفترات انكسار وانحسار إلا أنها لم تستسلم ولم تيأس ولم تنثنِ أو تنحنِ، بل سرعان ما أفاقت واستعادت ثقتها بنفسها، وتجاوزت محنتَها، وعاودت مسيرتَها.. نحن نريد أن نقول لك إن الشعب المصري لا يقلُّ عن هذه الشعوب، بل هو في طليعتها، وأنه قادرٌ على أن يستعيد دوره الخلاَّق في صنعِ حاضرٍ مشرقٍ واستشرافِ مستقبلٍ زاهر، وفق ما يرجو ويتمنَّى، فقط عليه أن يستوعب أن لديه طاقاتٍ كامنةً، وإمكاناتٍ هائلةً .. كما أن من الضروري عليه أن يقوم بتوظيفها واستثمارها.

 

ولأننا لا يمكن أن نخدع الشعب، أو نُصوِّر له الأمر على غير الحقيقة من منطلق أن الرائد لا يكذب أهله.. فإن الشعب لا بد أن يعلم- وهو من المؤكد يعلم- أن للانتصار تضحياتٍ وتكاليفَ وأعباءً، هي في طاقته وقدرته، وأنه يجب أن يكون مستعدًّا لها إذا ما فرضت عليه الظروف ذلك.

 

وأخيرًا.. أرجو الله أن يوفقنا وإياك إلى ما يحب ويرضى، مع وافر التحية وعظيم التقدير.

--------------

د. محمد السيد حبيب
النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين

Habib1928@hotmail.com

القاهرة في: 21 من جمادى الأولى 1428هـ= الموافق 7  من يونيو 2007م