يترك كتَّاب لاظوغلي واليسار المتأمرك ومثقفو الحظيرة قضايا الأمة المهمة، ويُسوِّدون صفحات طوالاً عن قضايا لا تعني الناس في زمننا، ولا يطرحها الواقع، ولا تفرض نفسها على متطلبات الحياة اليومية لجموع الشعب المقهور!!

يطرحون قضية الخلافة والدولة الدينية وفتاوى الفضائيات التي لا تعني أحدًا، ولا تُمثِّل معضلةً حيويّةً تقف في طريق تقدم الأمة، ويبتعدون في الوقت نفسه عن قضية تمزيق الأوطان على أسس عرقية وطائفية ومذهبية وفئوية وطبقية، ولا يُشيرون بكلمة إلى الدولة البوليسية الفاشية التي تضع في حسبانها اعتقال الشرفاء والأطهار، وتترك الفاسدين المفسدين والقتلة اللصوص، وتُودِّع بعضهم من صالة كبار الزوار، ولا يتكلمون عن فتاوى علماء السلطة وفقهاء الشرطة، الذين يُحلِّلون الرِّبا، ويُكفِّرون من يُقاطع الاستفتاءات المزوَّرة والانتخابات الصورية، ويُدافعون عن الطغاة بحجَّة الطاعة لولي الأمر، حتى لو داس على الإسلام واستأصله من مناهج التعليم ووسائل الإعلام ووسائط الثقافة، وجعل دخول المساجد ببطاقات ممغنطة، ومنع المذيعات من ارتداء الحجاب!!
والمفارقة أن هؤلاء المنافقين الأفَّاقين الذين تزايدت أرصدتهم المالية الحرام- من خلال أكاذيبهم بالقول والكتابة في مؤسسات الأنظمة البوليسية الفاشية- لا ينظرون حولهم، ولا يعتبرون بالتاريخ ولا الجغرافيا!!
خذ قضية الخلافة مثلاً.. إنهم لا يكفُّون عن إدانتها، بل إدانة بعض الخلفاء الراشدين الصالحين، ويرون أن الزمان لم يعُد صالحًا لشيء اسمه "الخلافة"، ويتخذون منها مرتكزًا للهجوم على الإسلام وتشريعاته وقيمه ومفاهيمه، وما أكثر ما يُردِّد هؤلاء الكذبة أن التاريخ الإسلامي في ظل الخلافة كان قتلاً ودمارًا وحروبًا وتخريبًا، ولا يرون إلا الحوادث المفجعة، والبقع السوداء، ونسوا أن الخلفاء بشَر، يصيبون ويُخطئون، وكانت الأمة تملك عافيةَ التصويب والتصحيح من خلال علماء الإسلام الذين تصدَّوا لانحرافات من يُخطئ وأخطاء من ينحرف..
كانت الأمة في ذاتها تسير وفق قيم عامة، وتستهدي بما يُعرف بعصر الخلفاء الراشدين، أي النموذج الأرقى الذي يقتدي به الغير، وكانت الدولة- في ظل الخلافة أيام قوتها وقبل أن تنهار عوامل المناعة بفعل البعد عن الإسلام والقرآن الكريم والمنهج الرباني- تتصدى لهمجية الوحوش الصليبية والتترية، وكانت كرامة المواطن في دولة الخلافة القوية أيًّا كان دينه مصونةً ومحفوظةً في أي مكان فوق الأرض.
وكان المسلمون لا يخشون الخلفاء الطغاة وأشباههم، فقد كانت تربيتهم الإسلامية تُقاوم وتستعصي على الضلال والإضلال، وكانت قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبًا ينهض به كل قادر عليه بدرجاته الثلاث، وظلت الحال كذلك حتى في عهد السلطان سليم العثماني الذي قَتل بعض أخوته، فقد تصدَّى له علماء الدين وأوقفوا طغيانه (على فكرة: هذا السلطان لم يدخل مصر إلا بعد أن استدعاه علماؤها ووجهاؤها ليتخلَّصوا من محنة المماليك!).
الخلافة نظام يحفظ المجتمع الإسلامي، وارتضاه المسلمون بعد وفاة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأجمع عليه العلماء لإقامة العدل والأمن وتسيير شئون الناس، وسواءٌ كان اسمه الخلافة أو الولاية أو السلطنة أو المملكة أو الجمهورية، ففيه مسئول أو مسئولون عن بقية الخلق أو المواطنين، وإدارة شئون حياتهم ومعاشهم.
وإذا كان الاستعماريون الصليبيون المتوحشون قد نجحوا في إنهاء الرابطة التي تربط المسلمين برمز يُسمَّى "الخليفة"- ولو كان ضعيفًا- عن طريق إشعال نار القوميات والعصبيات بين الفرس والعرب والترك والأفغان والهنود وغيرهم، ثم نجحوا في تفتيت هذه القوميات والعصبيات إلى طوائف ومذاهب وأعراق ودويلات وكانتونات، وجعلوا المسلمين "قصعة الأمم".. فليس هذا ذنب الإسلام الذي يأمرهم أن يعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا، ولا يضيره أن يقوم بعض المغامرين والطامعين في السلطة وا