الخامس من يونيو 1967م سيظل تاريخًا حاسمًا في المنطقة، وسيظل حرص الصهاينة على تعميق مدلوله مستمرًّا، سواءٌ بتعميق تداعياته السلبية للعرب أو بتكريس مدلولات هذا اليوم.
وبالنسبة للأجيال التي وُلدت بعد هذا التاريخ والتي دخلت مرحلة الرجولة والنضج، فإنه من المفيد أن تعرف أن يوم الخامس من يونيو 1967م هو اليوم الذي قرر فيه الكيان الصهيوني شلَّ قدرات مصر كبرى الدول العربية، وإحراج عبد الناصر، وإنهاء مبرر وجوده وشرعيته وقلَبَ الموقف العربي والدولي رأسًا على عقب، واحتل أراضيَ مصريةً وسوريةً وأردنيةً وفلسطينيةً بضربةٍ واحدةٍ، وأعاد رسم الخرائط السياسية وقواعد اللعبة الإقليمية والدولية، ووضع العرب أمام حقيقة واحدة كبرى، وهي أن القوة العسكرية هي الفيصل في تقرير المصير وأن أية أوهام أخرى غيرها سراب ودجل.
ولكي يتحصن الكيان بمنطق القوة الذي قام عليه أصلاً فقد استكمل كل عناصر القوة الرادعة بالأسلحة النووية والدمار الشامل، وأقامت سياجًا متينًا من التحالف الإستراتيجي مع واشنطن التي أصبحت فيما بعد روما الجديدة بعد زوال القوة السوفيتية.
على الجانب العربي كان 5 يونيو يومًا حزينًا؛ حيث ضرب فيه المشروع القومي، وظل استرداد الكرامة العسكرية العربية هاجسًا حتى تحقق بشكلٍ ما في السادس من أكتوبر 1973م، لكي ينتهي أثره تمامًا بعد ذلك وتتعرض المنطقة لتداعيات بالغة القسوة بعد هذا التاريخ أدَّت إلى توحش الصهاينة والولايات المتحدة وإلى تحلل المنطقة تحت وطأة المشروع الإمبراطوري الأمريكي الذي تحالف مع المشروع الصهيوني.
وكان من نتائج هذا التحالف غزو العراق وابتلاع بقية فلسطين وتمزيق الروابط بين الدول العربية وفرض الكيان في هذا المناخ كعامل أساسي في السياسات العربية، وصارت عامل تمزق بعد أن كانت عامل تجميع للعالم العربي، وتحقق الاختراق النفسي الصهيوني، والتبس الأمر على الناس أيّهم العدو وأيّهم الصديق، وتعرضت اللُحْمَةُ القومية والإسلامية لمعاول الهدم التي تنامت بعد أحداث سبتمبر 2001م.
صحيح أن ما حدث يوم الخامس من يونيو سوف يشكِّل ندبًا خطيرًا في جبين المنطقة لعقود قادمة، ولكنَّ الصحيح أيضًا أن حالة الاستسلام العامة لقرار المنطقة الذي ترسمه إسرائيل وأمريكا قد لقيت مقاومةً نفسيةً وعسكريةً في العراق ولبنان وفلسطين؛ بحيث صار الاستسلام في القمة، بينما المقاومة في القاع داخل العالم العربي، وما بين القمة والقاع مساحة من القضايا الخلافية الحادَّة جوهرُها تشجيع واشنطن للقمة واستعداؤها على القاع بعد أن تظاهرت بأنها تساند الإصلاح والديمقراطية، أي خصم من رصيد القمة لصالح القاع، ولكن هذا المسلسل لم يصمد طويلاً وأعلنت واشنطن ولاءها لحلفائها الذين تنسجم مصالحهم مع مشروعها.
خلال الأربعين عامًا الفاصلة بين عام 1967م، و2007م وقعت متغيرات حاسمة، كان أشدها حسمًا في نظري هو السلام المصري مع الصهاينة الذي قضى على شكل النظام العربي وأزال قاطرة مصر ووضعها على جانب الطريق، ثم انفرد المشروعان الصهيوني والأمريكي ضد المنطقة؛ بحيث تعتبر كل التطورات اللاحقة في ظني آثارًا لحالة الفراغ السياسي الواسعة التي تركها حياد مصر الفعلي وتقاعدها عن ممارسة السياسة الإقليمية؛ مما أضرَّ ضررًا بالغًا بوضع مصر ومصالحها، ودَفَع إلى مزيد من الانسحاب نحو الداخل، كما أضرَّ بشدة بجسد المنطقة العربية.
كانت أولى الثمار المرة لهذا الانسحاب المصري إعلان الكيان ضمَّ القدس عام 1980م، وضمَّ الجولان عام 1981م، وضرْبَ المفاعل النووي العراقي بعد أن شغلت واشنطن صدام حسين في معركة جانبية مع نظام الثورة الإسلامية في إيران، ثم احتلال بيروت عام 1982م، وإخراج الجناح العسكري للمقاومة الفلسطينية بعد أن كانت قد غزت جنوب لبنان في يوليو 1978م، عندما كانت مصر والكيان في شهر العسل برعاية كارتر والتحضير لقمة كامب ديفيد في سبتمبر من نفس العام، بينما كانت واشنطن تعدُّ صدام لخلافة مصر في العالم العربي.
وإذا كان لا بد لزعيم العالم العربي في المنطق الأمريكي أن يقود العالم العربي إلى حرب، وإذا كانت مصر قادت العالم العربي إلى محاربة الكيان.. فإن صدام قاد العالم العربي إلى حرب ضد إيران عدو الولايات المتحدة بدلاً من محاربة الكيان حليفها الصدوق، وكانت دوامة العراق مع إيران لقرابة ثماني سنوات كافيةً لإضعاف المتحاربين والعالم العربي الذي وقف مساندًا، فكان الفصل الثاني من المسرحية الهزيلة، وهي استدراج صدام إلى بطولة جديدة هذه المرة داخل الحرم العربي، عندما أغواه الأمريكيون بغزو الكويت؛ لكي يقضي بذلك على القومية العربية نهائيًّا ويسقط نهائيًّا نظرية الأمن القومي العربي.
ولكي تنطق الوقائع بأنه إذا كانت إيران خطرًا وأصبح العراق هو الآخر خطرًا فإن الكيان يجب أن يكون الحليف، وبالفعل فإن ملف الصراع العربي- الصهيوني دخل بعد حرب تحرير الكويت في منعطف جديد ترجمه مؤتمر مدريد، فأصبح الصهاينة قطب المنطقة والكيان صاحب قرار السلم والحرب تحت عناوين مخدرة، أبرزها عملية السلام التي استطالت حتى مات المريض، والعملية ما تزال مستمرةً حتى الآن، وكان الأولى بعمرو موسى أن يعلن موت المريض وليس موت العملية؛ لأن العملية تعني وجود جراح لا يزال حيًّا يافعًّا وأدوات الجراحة وهي كثيرة منها مبادرة السلام السعودية، ولا يزال الإيهام باستمرار الأمل في الشفاء قائمًا رغم موت المريض.
انتهى هذا المسلسل بعدد من النتائج التي تعيشها الذكرى الأربعون أخطرها اعتبار الصراع بين المسلمين الشيعة والسنة هو المعركة وليس المعركة مع "إسرائيل"، كما أن المنطقة أصبحت تشهد الصراع بين فريق الاعتدال الذي يتسامح مع المشروع الأمريكي وفريق التطرف الذي يحارب المشروع الأمريكي.
وكانت عملية لبنان في صيف 2006م مقدَّرًا لها أن تقضي على حزب الله وتخضع سوريا وتسكت حماس، فتقطع الحبل السري لإيران بهؤلاء الحلفاء، بما يسمح بإقامة منطقة متنافسة تحت تسميات مختلفة، تتصل بالشرق الأوسط وتختفي فيها أي علاقة بالعروبة بعد أن تمكنت واشنطن والصهاينة من اعتبار مجرد النطق بها من الفواحش التي تستحق التوبة السياسية والعقلية.
في هذا الخضمّ ظهر اهتمام مفاجئ بمبادرة كان العرب قد أعلنوها في بيروت عام 2002م، في رحلة شهر العسل الصهيوني الأمريكي بعد أحداث سبتمبر التي أتمت الالتحام الكامل بين المشروعين الصهيوني والأمريكي، وكان الهدف من إثارتها هذه المرة من جانب الكيان هو تحقيق أفضل النتائج، وهي إما تمزق المواقف العربية حولها، خاصةً أن "إسرائيل" طالبت في البداية بإغفال بنود مهمة منها، أو أن تؤدي إثارتها إلى تسجيل انتصار دبلوماسي يحرج العرب ويمكِّن "إسرائيل" من التطبيع الكامل معهم تحت شعار المبادرة، وهو ما تأمل به "إسرائيل" ولا تعارضه بشدة الدول العربية.
وتقوم حسابات الصهاينة على أساس أنها وإن كانت لا تزال تلعق جراح خيبتها أمام حزب الله وما سبَّبه نشر تقرير لجنة فينو جراد مساء 30/4/2007م من اضطراب للقيادة السياسية والعسكرية الصهيونية، إلا أن الكيان يعتقد أن تشجيع القيادات العربية والفلسطينية على التطبيع- بدعم أمريكي حاسم- أمر ممكن، وأن الساحة الفلسطينية تحت الحصار الدولي تتجه إلى العنف الداخلي، وأن التطبيع سوف يؤدي إلى فرض أمر واقع في فلسطين يدفع إلى المزيد من تمزق الساحة الفلسطينية مما يسهل تصفيتها.
تلك إطلالة عامة وخواطر عابرة وقراءة شاملة لأحداث المنطقة ونحن في الذكرى الأربعين ليوم الإثنين الأسود الخامس من يونيو 1967م، الذي بدأ بمصر عسكريًّا، ثم بدأ بها عام 1977م سياسيًّا، وأتذكر في هذه اللحظة صرخة أحمد شوقي في مصر في بداية مطلع القرن العشرين:
فإما حياة تبعث الروح في البلى وتُنبت في تلك الرموس رفاتي
وإما ممات لا قيامة بعده ممات لعمري لم يُقَسْ بممات