يمثل اليوم الخامس من شهر يونيو من كلِّ عامٍ ذكرى أليمةً.. تعود بنا إلى أربعين عامًا مضت، وتتداعى علينا الآلام والأحزان.. عندما يمر علينا هذا اليوم الحزين؛ ذلك أن مأساة هذه الحرب الخاطفة التي شنَّها الصهاينة على مصر وسوريا والأردن ما زالت ماثلةً في عقل ووجدان ذلك الجيل الذي شاء الله له أن يشهد هذه الأحداث المفجعة، ويتجرَّع هذه الإهانةَ التي لا أحسبها قد اقتصرتْ على البلاد التي خاضتها وإنما شملت الإهانة والمذلة.. كل البلاد العربية والإسلامية في آنٍ واحدٍ.

 

وحقيقة المأساة.. أن العدو الصهيوني في صبيحة هذا اليوم قد باغت البلاد العربية على الجبهات الثلاث (مصر وسوريا والأردن) في وقتٍ واحد بضربةٍ قاصمة، وهجمة شرسة لمفاصل القوة في جيوش هذه البلاد، دمّرت ما دمّرته من قوة الطيران، وتركت باقي القوة الحربية دون غطاء وبلا حماية، وهذه لا شك أحدثت شللاً كاملاً لفاعليات هذه القوات، التي كان يعتز بها كل وطني غيور على بلاده وأهله، وينظر إليها على أنها الدرع الذي يحمي عرين البلاد، ويصدر عنها مطامع الأعداء وشرور الطامعين- وما أكثرهم- على مدار التاريخ.

 

ويُسمِّي البعض هذه الحرب بأنها "حرب الأيام الستة"، ولكن يحلو لكثيرٍ من الكُتَّاب- خاصةً الأستاذ "محمد حسنين هيكل"- أن يطلق عليها "حرب الساعات الست"؛ لأن العدو قد تمكَّن في ساعاتٍ معدودات من الإجهاز على قوة البلاد العربية وشلّ حركة جيوشها.

 

وترجع أسباب الصدمة والمأساة إلى أن جيوش هذه البلاد كانت من القوة بالفعل ومن الإعداد والتجهيز، ومن العدد والعدة ما يمكنها- بإذن الله- من دحر قوة العدو الصهيوني ورده على أعقابه خاسرًا، يلعق جراحه، ولم يكن هذا الكلام من فراغ وإنما ساعد على تأكيده وتكريسه ما قام به الجهاز الإعلامي الصاخب، الذي عمل على تهيئة نفوس الشعب لاستقبال النصر المؤزر والفتح العظيم، ولقد وصل بعض الإعلاميين إلى أن يبشر الناس أن الحفل الشهري القادم لسيدة الغناء العربي سيكون في "تل أبيت"؛ كنايةً عن الهزيمة الساحقة التي ستلحق بجيش "إسرائيل المزعومة"!!

 

وطبيعي أن هذا الإعلام قد هيَّأ النفوس لهذا النصر وأحدث نوعًا من الأمل والتطلع للتخلص من الكابوس الجاثم على صدر العرب والمسلمين؛ حيث اغتصب أرض فلسطين وطرد أهلها وشرَّدهم في الآفاق، وصاروا "لاجئين ومشرَّدين" تجود عليهم هيئة إغاثة اللاجئين الدولية بالخيام والطعام، بعد أن كانوا في بلادهم "فلسطين" آمنين مطمئنين، سادةً أحرارًا.

 

ولا ننسى أن هذا البلد الذي تطلَّعنا لتحريره وفك أسره واندحار مغتصبيه.. هذا البلد هو "فلسطين" التي بها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وأرض الإسراء والمعراج، والتربة التي تحوي بين طياتها جموعًا متلاحقة من شهداء الإسلام وأبطاله.

 

وقضية فلسطين لا تخص أصحابها فقط، وإنما تخص كل عربي ومسلم، وهذه تمثل مسئوليةً تضامنيةً على الجميع أن يعملوا على نجدتها وانتشالها من مخالب عدوٍّ غاصبٍ وظالمٍ، مكنه من ذلك لا قوته هو وإنما مساندة ودعم العالم الغربي بكل قوته العسكرية والدبلوماسية، وفي كلِّ المحافل الدولية، في مجلس الأمن.. وهيئة الأمم المتحدة وغيرها وغيرها..

 

وهذه القضية تحيا في وجدان العرب والمسلمين جميعًا، وسكوتهم الذي نشهده ناشئ عن حالةٍ من العجز والتفكك بين أوصال هذه الأمة الكبيرة والتشرذم في أوساط ذوي السلطة والرأي فيها، وقدرة أعدائهم على أن يعيش كلُّ بلد في حاله، بعد أن أقنعهم أن القضية الفلسطينية إنما تخص أصحابها فقط، وأن ينفض الجميع أيديهم من تحمُّل مسئولية حمايتها والدفاع عنها في كلِّ النواحي الدفاعية والسياسية؛ حتى تتحرر من الأسْر والاحتلال، وماذا يفعل أهل فلسطين أمام قوةٍ غاشمةٍ مدعومةٍ بقوة أوروبا وأمريكا جميعًا؟!

 

إن الفترة القصيرة قبل الخامس من يونيو عام 1967م وما صاحبها من آمال عريضة بثَّها الإعلام الكاذب وجعل النفوس تهفو إلى نصرٍ حاسمٍ على العدو الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين، والمهدد لكلِّ الجيران العرب- وعلى رأسهم "مصر" أرض الكنانة- هذه الفترة عشناها، وداعبت خيالنا، وحرَّكت أشجاننا، ولكن سرعان ما أثبتت الأحداث الجسام والوقائع المحزنة أنها كانت أحلام يقظة، وبناء بيوت من القش سرعان ما تذروها الرياح، فتصبح هشيمًا كأن لم تغن بالأمس.

 

يذكر تاريخ الأدب العربي القديم أن قبيلة (عبس) التي كان ينتسب إليها "عنترة بن شداد"، وكانت في مأزقٍ حربي عرضت على فارسها "عنترة" أن يتصدَّى لقبيلةٍ معاديةٍ، فكان طلبه أن العبدَ لا قدرةَ له على النزال، فردوا إليه حريته فأصبح حرًّا طليقًا، فعند ذلك صال وجال وحقق النصر.. كذلك في أغلب الحروب التي خاضها العرب مع "إسرائيل المزعومة" كان أغلب قوى الأمة في الأسر، وفي غيابات السجون.

 

ولقد اشتعلت هذه الحرب الخاطفة.. ونحن الإخوان المسلمين في السجن الحربي وفي مختلف سجون مصر، يُمارَس علينا أبشع صنوف التعذيب، وتلهب ظهورنا السياط المستوردة من السودان، من ذيول البقر والجاموس، وقد بلغ عدد هؤلاء المعذبين أكثر من ثلاثين ألفًا من خيرةِ رجالاتِ الأمة وشبابها، بل ونسائها كذلك.. كل هؤلاء يذوقون كل ألوان التعذيب والخسف على أيدي زبانية ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً﴾ (التوبة: من الآية 10)، ولا ترق قلوبهم عندما يجهزون على ضحاياهم وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة بين أيديهم الملوثة بدماء الأبرياء الطاهرة.

 

ولقد وقع علينا- ونحن في السجن الحربي- خبر الهزيمة وقْع الصاعقة وبكينا بكاءً مُرًّا، وأخذ بنا الحزنُ كل مأخذ؛ لأن حب الأوطان عندنا يعلو فوق الآلام والأحزان والتعذيب والسجن والأسْر، فارتفعنا فوق واقعنا الأليم، وتمنينا لو كنا أحرارًا طلقاء خارج الأسوار.. نشارك في شرف الذودِ عن الحِياض.. بكل إيمانٍ وعزيمةٍ وإصرارٍ.

 

وتذكرنا كذلك أن إخواننا السابقين الذين كانوا يقضون عقوبات السجن القاسية وهم مبعدون هناك في سجون الواحات بالوادي الجديد قد طلبوا أثناء العدوان الثلاثي عام 1956م أن يُشكِّلوا كتيبةً حربيةً تقاتل الأعداء وتؤدي واجب الدفاع عن الأمة، وتعهَّدوا بأن يعودوا بعد القتال إلى سجونهم، وكانوا صادقين في ذلك، وطبعًا لم يستجب أحد لندائهم، فليست كرامة الأمة وشرفها عند الجلادين المستبدين هي الهدف الأعلى أو الغاية المنشودة، وإنما هناك حسابات أخرى لا ندري كنهها ومداها.

 

ويبقى- قبل أن ننهي هذه الخواطر حول نكسة يونيو- أن نشير باختصارٍ شديدٍ إلى نقطتين:

- الأولى: أن الاستبداد بالسلطة وغياب الشورى أو الديمقراطية كما يحلو للبعض أن يُسميها والحكم الفردي المطلق، وإقصاء الآخر بل وإذلاله وإهدار كرامة الإنسان.. كل هذه الممارسات وما إليها.. كفيلة بأن تكون عاقبتها الخسران وسوء المآل.

 

- الثانية: أننا أمة تمكَّن من تشكيل وجدانها الإسلامُ، ورثنا تاريخًا عظيمًا صنعه أجيال، حققوا فيه انتصارات عظيمة في معارك فاصلة على مرِّ القرون والقرون، وكان السلاح البتار هو الإيمان القوي، ونصرة الله قبل أن يتحقق النصر على الأعداء.. ينصرون الله فينصرهم الله ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7).

 

وعندنا في ذلك نماذج المواجهة في عامي 56، 1967م نتيجتهما نكسة ونكسات، ثم نموذج "انتصار أكتوبر 1973م في رمضان وبصيحة "الله أكبر" تحقق الخير ودحر العدوان.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).