عبد الجليل الشرنوبي

 

قلة مندسة من أبناء الشعب المصري والشعوب المجاورة والشقيقة والصديقة تُشكك في حالة الحرية التي تحياها مصر، وترى أن ما يحدث فيها من حِراكٍ سياسي وديمقراطي ما هو إلا ديكور فقط.

 

هؤلاء- مما لا شك- قلة حاقدة ومندسَّة على الشعب "الوديع.. المهاود.. المطاوع" الذي لم يعرف الرفض ولا الخروج ولا التظاهر ولا العصيان طيلة 57 عامًا هي عمر حكم العسكر له.

 

شعب ارتضى كل النتائج عبر ما يزيد على نصف قرن، مكتفيًا بمراقبة الأحداث والسخرية المُرَّة منها، رافعًا شعار "إياكش تولع ما هي مش بلدنا"، وفي كل مرة تتغير فيها الحكومة أو البرلمان يرى في القادم الجديد نسخةً من أصحاب البلد الذين يخرجون عليه بمعسول التصريحات عن الغد القادم الذي يحقق كل أحلام محدودي الدخل يزيد عليها حلو الكلام وربما بدلاً عن مرِّ العيش حلو الشام!

 

شعب تراه أمام خطب القادة والزعماء متحمسًا، كما تراه بذات الحماس يتابع مباراة الأهلي وبرشلونة، وفي كلٍّ ينتهي به المطاف هاربًا من النتيجة، حاملاً مرارة الخسارة وخزي الهزيمة وعار الصمت.

 

ومع كل هذا فشعبنا المتعايش تواجهه حكومة أكثر تعايشًا مع رغبات هذا الشعب:

يسأل الشعب عن سرِّ التخلف فتحيله الحكومة إلى الإرهاب الأسود الذي يضرب في البلاد شمالاً ويمينًا وشرقًا وغربًا.. وهو ما يؤثر سلبًا على حالة التنمية التي تسعى الحكومة إلى إرساء معالمها، وبالتالي فالإرهاب الذي يصنعه بعضُ أبناء الشعب بالتعاون مع الجهات الخارجية هو المؤثر على مخططاتِ الحكومة التنموية التي لا تألو جهدًا في إراحةِ شعبٍ لا يستحق النعمة.

 

ويبحث الشعب عن موارد الدولة فتجيبه الحكومة من فورها (فتشوا عن اللصوص الذين سرقوا البنوك وهربوا ووظَّفوا الأموال وهرَّبوا الخيرات ووو..)، أليس هؤلاء من الشعب الذي يجب أن يتفاعل مع خطط التنمية ولا يستغل التسهيلات لسرقةِ الشعب والنصب على الحكومة؛ الأمر الذي يُحملِّها فوق طاقتها.

 

ويفتش الشعب عن حقوقه الدستورية فتتم إحالته إلى دستورٍ جديدٍ وافق عليه وبَصَم عبر استفتاءٍ شعبي بالعشرة على أنه لا دستور غيره.. دستور يُعطي للحاكم كل الحقوق بناءً على رغبة الشعب ويسلب من المحكوم كل الحقوق لا لشيء إلا لثقةِ المحكوم المطلقة في الحاكم الإنسان ورب الأسرة الكبيرة والأب والابن وروح الشعب!

 

ويسمع الشعب عن حرية الإعلام وحرية النقد وحرية المعارضة، فتؤكد له الحكومة أنها مع هذا كله عبر برامج حوارية على الهواء مباشرةً وأفلام سينمائية على الهواء مباشرةً ودراما سياسية على الهواء مباشرةً وبرلمانات صغيرة على الهواء مباشرةً، وبالتالي فمما لا شك فيه أن الإعلام الحكومي الريادي استطاع أن يُحيل حياتنا بكل مفرداتها إلى الهواء مباشرةً!!

 

يُفكِّر الشعب في غده فتطالعه الحكومة بخطط خمسية وعشرية وعشرينية وثلاثينية وخمسينية، ومعها ما يؤكد على أن الفكر الجديد هو حاكم هذه الخطط، فلا يمكن أن تتحقق إلا برجاله الرواد ونسائه الرائدات وأطفاله حاملي مشاعل الريادة وأحفاده الرائدين الجدد وأحفاد أحفاده الرواد أبناء الرواد أبناء أبناء الرائد؟!

 

ويذكر الشعب أناسًا عايشهم وعايشوه ورآهم في أفراحه عندما عزَّ المهنئ الحكومي وشاطروه أحزانه عندما غرزت الحكومة نصل الحزن في قلبه حتى غمده.. يذكر الشعب خيوطًا من نسيجه تجمَّعت حاملةً اسم "الإخوان المسلمين" رآهم في الأعياد.. وفي النوادي وفي النقابات وفي الجمعيات وفي البرلمانات، وعرفهم عندما ضيقت عليهم السياسات والتعديلات الدستورية والطوارئ القانونية.. عرفهم بشرًا في قافلة الشعب يسيرون، ولهمِّه يحملون، ولدعوتهم ينشرون.. بالحكمة والموعظة الحسنة.. وما إن يذكرهم الشعب ح