من البداية كان عندي شكٌّ كبيرٌ في جدِّيَّة تصريحات السيد جمال مبارك عن ضرورة استئناف البرنامج النووي المصري، وقلت في نفسي ساعتها: إنها مجرد فرقعة إعلامية لتلميع السيد جمال مبارك إعلاميًّا. وقال أحد الظرفاء ساعتها: إنه تلميعٌ نووي يتمشَّى مع عالم التكنولوجيا ومجتمع المعرفة الذي نسمع عنه ولا نعرفه، فما زلنا لم نصِل بعد إلى المجتمع الصناعي المعياري، فما بالك بمجتمع المعلومات ومجتمع المعرفة؟! ولكنَّ دعوة الرئيس مبارك في المؤتمر الرابع للحزب الوطني في سبتمبر 2006 لحوارٍ جادٍّ يأخذ في الاعتبار ما تُتيحه التقنيات النووية من مصادر نظيفة ورخيصة للطاقة الكهربية.. هذه الدعوة جعلتني أُعيد النظر في شكوكي، خاصةً أن تصريحات الرئيس فتحت الباب لكمٍّ هائلٍ من التصريحات والتحقيقات والدراسات للعلماء المصريين العاملين في الحقل النووي، وقلت ساعتها: لا يمكن أن يكون كلُّ هذا الزخَم الإعلامي بلا أساس، وبتُّ أنتظر قرارًا سياسيًّا من القيادة السياسية بالاستئناف الرسمي للمشروع النووي المصري. ولكن صمتًا كصمت القبور بدأ ينتشر، وقلَّت التصريحات شيئًا فشيئًا، بل وبدأت تصريحات مناوئة للمشروع فيها نية الاستيلاء على أراضي محطة الضبعة لشركة سياحية، وكان الهزل أن التصريحات جاءت من الدكتور أحمد نظيف- رئيس الوزراء- بأنه من الممكن أن نبيع هذه الأراضي ونقيم بثمنها المشروعَ في موقع آخر. ولا يمكن إلا أن نقول إن هذه التصريحات كانت تعكس استخفافًا بالمصريين جميعًا؛ لأنه من المعلوم أن اختيار موقع الضبعة تم من ضمن 11 موقعًا، وبعد إجراء دراسات الجدوى، وإقامة بعض المنشآت التجهيزية في الموقع في جهد دؤوب استمر خمس سنوات، وتكلف ما يقارب 500 مليون جنيه، والمشكلة ليست في التكاليف ولكن في الصعوبة الشديدة لإيجاد موقع بديل وذلك للاشتراطات العلمية الصارمة المطلوبة في موقع المحطة النووية. ولم يكتف الدكتور نظيف بذلك، بل صدرت منه بعد ذلك تصريحاتٌ أخرى عن تكليف بيت خبرة عالمي لدراسات احتياجات مصر من الطاقة والجدوى الاقتصادية للالتجاء للمحطات النووية، ساعتها قلت في نفسي: إن المولد قد انفضَّ، ولا أعرف لماذا ورد إلى ذهني قول المصريين الغلابة: "قاعدين ليه قوموا روحوا". ومما زاد في يقيني بأنه لم تكن هناك جديةٌ من البداية في الإعلان عن استئناف المشروع النووي وكانت الضربة القاضية.. ما صرَّح به أحد المشاركين في مشروع الضبعة النووي بأنه صدرت تعليماتٌ مشدَّدةٌ من رئيس الوزراء بعدم الإدلاء بأية تصريحات صحفية بتاتًا عن المشروع النووي المصري.