نظر مجلس الأمن عدة مرات المشروع الذي أعدته الأمم المتحدة بالتعاون مع الحكومة اللبنانية وبحث في إصدار المشروع وفقًا لسلطات المجلس في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.. هذه القضية تثير عددًا من التساؤلات والإشكاليات تجعل مجرد عرض الموضوع على المجلس مثارًا للجدل، وحتى يمكن معالجة هذا الموضوع الشائك بطريقة علمية فإننا سنقدم هذه التساؤلات والإجابة عليها تباعًا:
التساؤل الأول: هل يختص مجلس الأمن بإنشاء محاكم جنائية دولية؟
والإجابة بالإيجاب، وأنه كما يختص المجلس- أو بعبارة أخرى ليس في الميثاق ما يحُول دون قيام المجلس بذلك- تختص أيضًا الجمعية العامة من باب أولى؛ باعتبار أنها تمثل كل الدول الأعضاء تمثيلاً مباشرًا، بينما ينوب المجلس عن الأعضاء مع ضرورة احترام شروط الإنابة، وهو أمرٌ يتم التفريط فيه في هذه المرحلة؛ حيث يتصرف المجلس بمعزل عن رغبات عموم أعضاء الأمم المتحدة، وإن تم التصرف بتوافق الأعضاء الدائمين وحدهم.
التساؤل الثاني: هل سبق للمجلس أن أنشأ محاكم جنائية؟
نعم.. أنشأ المجلس محكمة يوغوسلافيا السابقة ومحكمة رواندا وسيراليون، وبدأ الحديث الآن عن إنشاء محكمة جنائية لمحاكمة المتهمين في أحداث المذابح في بوروندي، في الفترة من 1993 حتى 2005م، ولم تُنشئ الجمعية العامة من قبل محاكمَ جنائيةً، ولكنها أصدرت قرارًا بإنشاء غرف في محاكم مشتركة بين الأمم المتحدة وكمبوديا للنظر في الجرائم التي ارتكبها نظام بول برت في كمبوتشيا في الفترة من 1975م حتى 1979م، فهي محاكم وطنية مطعمة بخبرات دولية تحت إشراف وسيطرة القضاء الوطني.
وإذا كانت الجمعية العامة أكثر حظًّا في الاختصاص بإنشاء المحاكم الدولية فإن سابقةَ منْح هذه السلطة لمجلس الأمن قد أعطت انطباعًا خطأً بأن المجلس وحده هو صاحب الاختصاص، بل إن واشنطن اختارت أن يُنشئ المجلس هذه المحاكمَ الجنائيةَ المؤقتةَ لسبَبين:
- أولهما: انهيار الدول التي ارتُكبت فيها هذه الجرائم كما في حالة رواندا، أو إذا كانت الدولة نفسها هي التي ارتَكبت هذه الجرائم كما هو الحال في جمهورية الصرب في حربها ضد البوسنة والهرسك.
- ثانيهما: أن تضمن واشنطن سيطرتها على المحكمتَين من خلال مجلس الأمن، خاصةً أن سعْيَ واشنطن لإقرار العدالة الجنائية الدولية في أعقاب انتهاء الحرب الباردة قد أعطى انطباعًا وهميًّا بجدارة واشنطن لقيادة العالم الديمقراطي المبرَّأ من الآثام قبل أن تتضح المواقف الأمريكية الصريحة المعادية للقضاء الجنائي الدولي، وسلوكها المعادي لفكرة القانون الدولي وسلطته من الأساس على النحو الذي فصلته الكتابات القانونية والسياسية الأمريكية حتى قبل أحداث 11 سبتمبر.
التساؤل الثالث: لماذا إذن يُعَدُّ قيامُ المجلس بإنشاء المحكمة- وفق الفصل السابع من الميثاق- أداةَ إرهابٍ وتخويفٍ وقضيةً يجب المساومة عليها بأن تقدم المعارضة تنازلاً مقابل إغضاء الطرف عنها؟
يرتبط بهذا التساؤل تساؤل رابع، وهو: كيف أصبح موضوع المحكمة جزءًا من الصراع السياسي في لبنان وسببًا للشقاق بين الحكومة المعارضة، بما انعكس على حلفاء الطرفين.. أمريكا وبعض العرب وإسرائيل مع الحكومة، مقابل سوريا وإيران مع المعارضة.. وكأن الأطراف اللبنانية تتحرك بأجندات غير لبنانية؟
نقطة البداية هي أن اغتيال الحريري- خاصةً في تلك الظروف وبهذه القسوة والهمجية واختياره- كان لأسباب تتعلق بمدى ما يمكن أن يُحدِثَه اغتيالُه من تمزيقٍ للساحة اللبنانية وتعقُّب سوريا، وتمزيق العلاقات السورية اللبنانية، وهذا السبب يرجِّح الافتراض بأن اغتياله قد تم بسبب خطأ ارتكبه أو ربما العداوة مع قتلته.
رفيق الحريري
