كتب الدكتور مصطفى الفقي مقالةً بأهرام الثلاثاء 29/5/2007م عنوانها "الإخوان المسلمون.. المشكلة والحل"، وأبادر فأقول: إنَّ تقييم د. مصطفى الفقي لجماعة الإخوان المسلمين قد يرى البعضُ أنه من قبيل الشهادة المجروحة؛ نظرًا لأن القاصي والداني يعلم أن سيادته يجلس في مجلس الشعب على مقعد النائب الشرعي والحقيقي لدائرة دمنهور الدكتور جمال حشمت مرشح جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات الماضية.
كما أنَّ الدكتور مصطفى الفقي وإن كان يؤكد على تجرده ومصداقيته في عرضِ مشكلة الإخوان المسلمين (كما يراها) فإنه يتحدث من منطلق عضويته للحزب الوطني الديمقراطي (الخصم اللدود) للإخوان؛ ذلك الحزب الذي يرى في حركةِ الإخوان خطرًا على بقائه؛ حيث إن الإخوان في نظر المراقبين يُشكِّلون البديلَ النظيفَ والصالح للحزب الفاسد المترهل الذي تضرب الشيخوخة في أطنابه ويوشك أن يتداعي بعد أن نخر التزوير والغش والتدليس في قواعده وأركانه.
ولكن لو تجاوزنا هذه الملاحظات الشكلية وقرأنا المقال بتؤدةٍ وعنايةٍ سوف نطالع ما يلي:
أولاً: يقول د. الفقي إنني مختلفٌ مع الإخوان المسلمين كطرفي نقيض؛ حيث إنني أؤمن بأنَّ الأمةَ مصدر السلطات، وأن تداول السلطة هي الطريقة الأمثل للديمقراطية.
وتعليقنا.. ومَن قال لك يا سيدي إن الإخوان لا يؤمنون بذلك تمامًا، فالأمة عند الإخوان (وعند المسلمين عمومًا) هي مصدر السلطات، ومن حقها وحدها اختيار حكامها وسياسة أمورها الدنيوية؛ فلا كهنوتَ في الإسلام، والإسلام لا يعرف الدولة الثيوقراطية (التي يحكمها رجال الدين)، وكل كتابات الإخوان المسلمين (المعتمدة) تصبُّ في هذا المعني.
أما تبادل السلطة فأرجو أن تعود فيه باللائمة على حزبك الوطني الجاثم فوق صدر مصر بالحديد والنار والاعتقال والمحاكم العسكرية عشرات السنوات، ومن خلال ترزية القوانين التي تُقنن للدكتاتورية وتُؤسس لحكم الفرد (أو العائلة أحيانًا).
ثانيًا: يزعم د. الفقي أنه رغم اختلافه الحاد مع الإخوان مستعد أن يموت في سبيل أن يعرضوا رأيهم بحرية (كما قال فولتير في مقولته التي طالما صدَّعوا رءوسنا بها)، وإن كنت أشكر له هذا الشعور الطيب فهل يسمح سيادته بالبرهنة العملية على هذا.. مثلاً هل يستطيع سيادته تسطير مقالة يُندد فيها بتحويل الخصوم السياسيين لغير قاضيهم الطبيعي أو يعترض بشكلٍ واضحٍ على إحالة قيادات الإخوان المسلمين إلى المحاكم العسكرية.. هل يمكنه مثلاً الاعتراض على شطب طلبة الإخوان وعمال الإخوان من القوائم الانتخابية بواسطة أمن الدولة؟ هل يمكنه المطالبة بإلغاء لجنة شئون الأحزاب (والتي لا مثيلَ لها في العالم)، والتي يرأسها أمين الحزب الوطني وتجعل من نفسها خصمًا وحكمًا في الوقت ذاته.. هل يملك سيادته أن يُعبِّر وبوضوحٍ عن اعتراضه على منع قيادات الإخوان من السفر لحضور المؤتمرات بالخارج (كما حدث للدكتور عصام العريان والدكتور جمال حشمت وغيرهما)، وكذلك وضع أعضاء الإخوان في قوائم ترقب الوصول في المطارات؛ حيث يعاملون كالمجرمين وتجار المخدرات؟
هاتان النقطتان هما مقدمة المقالة، أما نفس المقالة فتعرض لثلاث أمور.
1- اعتراضه على توظيف الدين لدوافع سياسية.
2- الاحتماء بالنص المقدس يضرب الديمقراطية في مقتل.
3- البحث عن طريقة لدمج الإخوان في العمل السياسي.
وبإيجازٍ شديدٍ تعليقنا على النقاط الثلاثة:
إن إشكالية مصطفى الفقي الأساسية ومَن لفَّ لفه من أمثال الدكتور جابر عصفور، والدكتور عبد المنعم سعيد، ومن قبلهم الدكتور فؤاد زكريا.. أنهم مسلمون مصريون تربُّوا على أعين الغرب وتشكَّل فكرهم في مدارس أوروبا مما أحدث شرخًا غائرًا في القيم والمفاهيم وأحدث لونًا من الفصام النكد في نظرتهم للدين والحياة.. وقد نعذر بعضهم من حسني النية فإن قوالب الغرب ومصطلحاته قد شكَّلت رؤيتهم وحددت ردود أفعالهم.. والحقيقة أنني أعجب جدًّا عندما أرى شبابًا في مقتبل العمر الجامعي من أبناء الإخوان المسلمين فيذهلني هذا النضج الفكري واستيعابهم لعلاقة الدين بالدنيا ومفهومهم الراقي جدًّا لدور الدين في النهوض بالحياة وتعاملهم الرصين والمتفتح مع النص المقدس من القرآن والسنة الصحيحة بالتطبيق العملي المتمثل في حياة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وبفهم السلف الصالح.. ويسعدني جدًّا تفوقهم في كليات القمة من طب وهندسة وعلوم مع حفظهم لكتابِ الله واهتدائهم بسنة رسوله بغير تعسفٍ ولا تكلف.
إنَّ الاحتماءَ بالنص المقدس يُثري الديمقراطية ويُنير لها الطريق؛ لأن النصوص المقدسة على نوعين:-
النوع الأول.. وهو قليل جدًّا ويُطلَق عليه النصوص المحكمة وعادةً يتصل بأمر عقيدة المسلم أو شعائر عبادته (وهذا لا يخضع لاجتهاد) ولا علاقةَ له بسياسة الدنيا المتغيرة.
النوع الثاني.. حمَّال أوجه، وهو غالب النصوص والذي يُشكِّل مساحةً واسعةً للرأي والرأي الآخر وفيه اجتهادٌ في ذات النص لمَن يملك أدوات هذا الاجتهاد وضوابطه، ومن فضل الله ورحمته أن هذا النوع هو الغالب الأعم.. والمخالف في هذا الاجتهاد ليس كافرًا ولا زنديقًا، بل هو على أمرين إما مجتهد مصيب فله أجران أو مخطئ فله أجر واحد.
وختامًا أشكر للدكتور مصطفى الفقي سعيه لدمج الإخوان المسلمين في المنظومة السياسية وعدم تبني فكرة الاجتثاث أو الإقصاء التي يؤمن بها الحزب الوطني ومن خلفه أمن الدولة، وإن كنتُ أحب أن أطمئنه أن الإخوان المسلمين على يقين أنهم في ضمير هذا الشعب ويُعبِّرون عنه تطلعاته وآماله، وأنَّ الغد لهم إن شاء الله.
---------------------
* الزاهر- مكة المكرمة- Alaasaleh59@hotmail.com