بقلم: د. محمد محمد يوسف*
تفنَّن المستبدُّون في ابتكار الوسائل المختلفة للصدِّ عن دين الله، وإسكات كلمة الحق، وإخراس الألسنة التي تنادي بالإصلاح، فها هي التعديلات الدستورية التي نصَّت صراحةً على استبدال ما يسمى "المواطنة" بالدين؛ حيث حظرت المادة الخامسة من الدستور المعدل- المعدل على حظر أي نشاط سياسي على أساس ديني أو أي أحزاب على أساس ديني- وحظروا بقوانينهم شعار "الإسلام هو الحل"، وزادت التعديلات من القبضة البوليسية التي هي أصلاً زائدةٌ عن الحد، وبذلك يكملون حلقات القيود التي كبَّلت الوطن، بعد أن استبدَلوا المصلحين بالمفسدين، والدعاة إلى الله بالمنافقين وأزلام الحكام وجوقة السلطان وحملة المباخر، واستبدلوا الكفاءات بأهل الثقة والحظوة ورجال الأعمال، الذين يصرفون ببذخ على مواكب النفاق وإرضاء الأسياد.
وليس مهمًّا أن ترتفع معدلات الفقر والبطالة وغلاء الأسعار وهبوط مستوى التعليم وسرطنة القمح وتلوث المياه وانتشار الجريمة والبلطجة والتحلل الخلقي والاجتماعي وانتشار الأمراض الفتَّاكة وانخفاض نسبة النمو وسرقة الأموال والتعذيب في السجون والمعتقلات والكوارث التي لحقت بنا جرَّاء الفساد، كالعبَّارة التي غرقت وعلى متنها أكثر من ألف نفس، وليس مهمًّا تأميمهم لمؤسسات الوطن حتى صارت حكرًا لهم وكأنها "عزبة" ورثوها عن أجدادهم حتى سجَّلنا أرقامًا قياسيةً على المستوى العالمي في كل المجالات من أسفل إلى أعلى.
وبات القائمون على أمر الوطن من الحكام وأزلامهم على ثقةٍ بأنهم بعد أن خربوا البلاد ونهبوا العباد، جعلوا كل أركان ثرى مصر الغالي تغرق في الوحل، بغيِّهم وجبروتهم وغبائهم، وحرص الأزلام اللئام على إرضاء أسيادهم من الحكام ليصبحوا من أهل الحظوة المرضي عنهم؛ لعلهم ينالون منصبًا رفيعًا أو مكافأةً عظيمةً، أو يُرفَعون إلى القمة أو تَهبِط عليهم بركات الكبار، فيتصارعون على متاع لا محالة زائل، ونسوا أو تناسوا كلمات الله الخالدة: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)﴾ (الحديد).
انظر معي إلى واقع الحال في انتخابات مجلس الشورى التي تجري في هذه الأوقات، يتسابق أمن النظام في التنكيل بالإخوان، من سجن واعتقال وتعذيب وترويع ومطاردة.. كل هذا لماذا؟!! لنَيل متاع الحكام، وليحلَّ عليهم فضل السلطان.
انظروا وتدبروا الآية الأولى إن الحياة الدنيا بمجملها (لعب) كلعب الأطفال مهما جاءت بكل متاعها، فما بالك من متاع الحكام وفضل السلطان في نهاية المقام متاع الغرور.. متاع يغر صاحبه، فهو ليس متاعًا حقيقيًّا، ولكنه متاع الوهم الذي لا ينفع، لا في الدنيا ولا الآخرة؛ حيث العذاب الشديد.
انظر للآية الثانية.. المنافسة الحقيقية والسباق الحقيقي هو لإرضاء الله ونَيل فضله الذي لا حدود له ولا زوال فيه، هذا فضل الله المنَّان وهذا فضل الحكام اللئام، المؤمنون يتسابقون لنيل رضا الله مهما لحقهم من أذى في أموالهم وأولادهم وأنفسهم طمعًا فيما عند الله، وجنود النظام كالأطفال، يلعبون ويلهون ويتفاخرون فيما يفعلون؛ لينالوا رضا الحكام وفضل السلطان.
بئست المقارنة!! فليتهم يعون ويتفكرون قبل أن تسبقهم المنية إلى حيث يكرهون، يظن الطغاة أنهم سيملكون الدنيا بقوتهم وجبروتهم، ويظنون أنهم يفعلون ما يريدون، ونسوا- أو تناسوا- أن الأيام دول، ودوام الحال من المحال، وفتئ الدعاة المصلحون على يقين بأن المعركة خاسرة لا محالةَ، هتف بها سيد قطب في إحدى إبداعاته الإيمانية في تفسير الظلال: "إن عالم المؤمنين من السعة والقوة والعلو والشموخ بحيث تبدو إلى جانبه عوالمُ غير المؤمنين ضعيفةً شائهةً خاسرةً أيَّ خسران".
--------
* منية النصر الدقهلية.