بقلم: د. منير عبد الغني حمودة
المتابع لمجرى الأحداث في مصر على مدى عشرات السنين الماضية ومنذ قيام ثورة الضباط الانقلابية يلاحظ أن النظام لا يريد من يقول له: "لا" مهما كان هذا القائل، فلقد روَى الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه (خريف الغضب) أنه عندما اعتقله السادات في أواخر أيام حكمه ظنَّ أن المقبوض عليهم هم المشاغبون من الصحفيين الذين لهم وزنٌ، فإذا به يرى الأستاذ فؤاد سراج الدين- زعيم حزب الوفد- فظن أن زعماء أحزاب المعارضة ضمَّهم السادات إلى بعض الكتَّاب..
يقول فوجدت بعض الملتحين تمَّ القبض عليهم، فقلت لعل بعض المنتمين إلى الجماعات الإسلامية قد أُدرجت أسماؤهم في هذه الحملة.. يقول ثم وجدت الأنبا شنودة، فعلمت أن مصر كلها قد تمَّ التحفُّظ عليها، لماذا؟! لأن هؤلاء فكَّروا بصوت عالٍ أن يقولوا للرئيس: "لا".
إنها كلمةٌ مزعجةٌ للمستبدِّين تهيِّج جميع الأنسجة في أجسادهم، فهم يضعون أنفسهم مواضع فرعونية لا تمتُّ إلى البشر وأحوالهم بأدنى صلة، فإذا فكَّر إنسان أن يذكِّرَهم أنهم بشرٌ، وأنهم يخطئون ويصيبون، وأن مثلهم مثل كل الناس لا فرق إلا أن الأقدار وضعتهم في أماكنهم ليتحمَّلوا الأمانة عن شعوبهم ويكونوا أُجَرَاءَ عند شعوبهم يرعون مصالحهم الدينية والدنيوية لقاء ما يأخذون من أجرٍ.. هاجوا وماجوا، وظنوا أنهم مانعتهم حصونُهم من الله، ورعاة أمثال هؤلاء- مهما صنعت شعوبهم- لا يرضون من شعوبهم إلا الذلة والاستكانة وقبول الدنية.
هم يريدون شعوبًا لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: من الآية 171)؛ ولذلك- والحالة هذه- فإن محاولة جماعة مثل جماعة الإخوان الدخول في انتخابات الشورى هي محاولةٌ محفوفة بالمخاطر، بل بكل أنواع المخاطر.. الحكومة كانت تمارس التزوير والإبعاد والبلطجة في ظل الدستور السابق فلم يعجبها كل ذلك، فقامت بإلغاء هذا الدستور الذي لم يلبِّ رغبتها، وجاءت بدستور على المقاس (دستور تفصيل) فماذا يمكن أن ننتظر؟!
إنها تريد أن تقول فلا يردّ لها أحد قولاً، وتريد أن تعمل فلا يعقِّب على عملها أحد يعني (هي وبس!!) ليس لأحد- مهما كان موقعة ومهما كان حجمه- أن يعقِّب على حكمها، ولعل أكثر الشواهد دلالةً على ذلك ما فعلته إزاء حكم محكمة القضاء الإداري ببطلان قرار رئيس الجمهورية بإحالة أعضاء الجماعة إلى القضاء العسكري إذ فصلت فيه فلم يمض سوى ساعات حتى انتهى به الأمر إلى الإلغاء.
إننا نعلم ذلك، ونعلم أن رضا الحكومة عن أي معارض مستحيل، أما رضاها عن الإخوان المسلمين فهو رابع المستحيلات، ولذلك ليس أمامنا إلا المضيِّ فيما قرَّرناه، وأن نستعين بالله عليه، وأن نتوجه إلى الشعب المصري الكريم المتديِّن الذي يحب الله ورسوله والذي زكمت أنفه رائحة الفساد الحكومي في كل مكان ومجال.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).
-----
* الحامول- كفر الشيخ.