م. خالد حفظي

بقلم: م. خالد حفظي
أن تطربَ لصوتٍ نَدِّي جميل فهذا شيء فطري قد جبلنا الله عليه، أما أن تطربَ لصوت الحمار فهذه بلا شك حالة تستحق الوقوف عندها مليًّا، فقد وصف الله عز وجل صوت الحمار بأنه أنكر الأصوات، فما هي قصتي مع الحمار؟!.
حدث ذلك أثناء اعتقالنا- الذي تحدثتُ عنه من قبل- ذات ليلةٍ وبينما أنا شارد الفكر فيما نحن فيه.. أزاح الفكرُ النومَ من عيني حتى قُبيل الفجر، ووسط سكون الليل البهيم.. وبينما أنا شارد أفكر.. إذا بصوتِ حمارٍ يأتي من بعيد.. فأرعيته السمع.. فجاء مرةً أخرى، وهنا كاد قلبي يُفارق أضلعي من شدة الفرح بصوتِ الحمار.. ها نحن ما زلنا في (الدنيا) ولم نذهب وراء الشمس كما كنا نظن، وهنا وجدتني أُوقظ كل مَن معي في الزنزانة، فسماع صوت الحمار يعني بالنسبة لنا الكثير.. يعني الأمل.. يا قوم استيقظوا.. سمعتُ صوت حمار.. سمعت صوت حمار.
وكدتُ يومها من شدة الفرح أن أُغني: سمعت صوت حمارٍ في السحر!!!. واستيقظ الجميع وجلسنا صامتين في ترقب (لشدو) الحمار.. حتى أطربنا الحمار (بشدوه) مرةً أخرى، وكانت ليلةً لا تُنسى.. أطربنا فيها صوت الحمار.
طمأننا صوتُ الحمار أننا ما زلنا (في الدنيا)، ولكن أحدًا منا لم يكن يعلم أين نحن، حتى سمعتُ ذات صباح صوت (منادي) السجن ينادي بصوتٍ جهوري: عبد المنعم أبو الفتوح عبد الهادي.. رد يَالَهْ!!، عبد العال محمد الجابري.. رد يَالَهْ!!، هذان (الولدان) المعنيان كانا فضيلة الشيخ الجليل/ عبد المتعال الجابري رحمه الله وتقبله في الصالحين والأخ الفاضل الدكتور/ عبد المنعم أبو الفتوح حفظه الله وتقبَّل منه جهاده.. اللهم آمين.. حين سمعتُ هذين الاسمين الكريمين علمتُ أننا في سجن استقبال طرة لعلمي بذلك مسبقًا: أن المتحفظ عليهم في هذا السجن، وقد صار هذا السجن بعد مقتل السادات (سلخانة) كبرى كما كنا نُسميه آنذاك.
كنا نعيش في الزنزانة حوالي عشرة أفراد.. يزيدون أحيانًا إلى العشرين ويقلون أحيانًا- حسب (الوارد)- إلى اثنين أو ثلاثة؛ وذلك في زنزانةٍ لا تزيد مساحتها على العشرين مترًا مربعًا، وللقارئ الكريم أن يتخيَّل كيف كان ينام الواحد منا في أقل من متر مربع واحد!!.
ومع زيادة ونقصان العدد كانت تحدث لنا الكثير من الطرائف مع الشاويش النوبتجي الذي يقوم بـ(التمام) علينا، وكان (تمام) الزنزانة يتم مرتين في اليوم (صباحًا ومساءً)، ومَن يقوم به في الصباح يُسلمه لمَن يليه في المساء وهكذا... وذات ليلة كان (تمامنا) المسائي عشرة أفراد، وبالليل جاءنا (ضيف) جديد فصرنا أحد عشر فردًا، ثم جاء (تمام) الصباح فسألنا الشاويش: كم يَالَهْ؟ رددنا.. "إحداشر يا فندم"... فنظر في الورقة التي معه مليًّا (والمكتوب فيها أن التمام المسائي عشرة أفراد فقط)، ثم أعاد السؤال: كم يَالَهْ؟ فرددنا مرةً أخرى.. "إحداشر يا فندم".. فما كان منه إلا أن ثار غاضبًا منا وسأل: "أمال فين العاشر يا ولاد الـ...؟!!!" وهنا ضجت الزنزانة بالضحك... وكانت علقة!!!.
عشت في هذا السجن أو قل إن شئت (السلخانة) حوالي شهرين، خرجتُ خلالهما من الزنزانة مرتين أو ثلاثة فقط لا غيرَ وكان هذا للتحقيقات، وكنا ننام ونستيقظ ونأكل ونشرب ونقضي حاجتنا في الزنزانة، وقد كانت (مجهزة) لذلك؛ حيث كان يوجد حمام داخل كل زنزانة، وكان هذا الحمام (نعمة) عظيمة أكرمنا الله بوجودها مقارنةً بما كان موجودًا في السجون الأخرى، وقد أحسسنا بهذه (النعمة) لما جاءنا بعض الإخوة من سجون أخرى لم تكن بها هذه (الميزة) فقد كانوا يخرجون لقضاء الحاجة مرتين يوميًا فقط.. واحدة في الصباح والأخرى في المساء.
وقد حكى لنا أحد الإخوان القادمين من ليمان طرة (الذي كان السادات قد أقام