الصورة غير متاحة

 د. حلمي القاعود

 

لم يعد هناك شكٌّ في أن الولايات المتحدة ودول أوروبا الكبرى تقف وراء الأحداث العاصفة التي تجري في مشارق بلاد المسلمين ومغاربها.. هذه ليست نظرية المؤامرة، كما يحلو أن يردد بعض المارينز العربي، في محاولةٍ للفت الأنظار بعيدًا عن الجرائم التي يرتكبها العالم الصليبي الاستعماري، مذ جاء السفَّاح الفرنسي ليحتل مصر والشام أواخر القرن الثامن عشر، حتى ما يفعله التحالف الصليبي الاستعماري في ولاية هلمند بجنوب أفغانستان وقتله للمدنيين تحت دعوى محاربة الإرهاب وطالبان والقاعدة!!

 

قبل أيام صرح مسئول أمريكي- ولعله الآنسة كوندي- بأن عملية "تسمين العجول" تؤتي أكلها في لبنان، وكان ذلك في معرض التعليق على أحداث مخيم نهر البارد؛ حيث ظهرت فجأةً إلى الوجود منظمةٌ اصطدمت بالجيش اللبناني اسمها "فتح الإسلام"، منشقَّةً على منظمة "فتح الانتفاضة"، المنشقَّة على منظمة "فتح ياسر عرفات" التي أُنشئت أول يناير 1965م؛ حيث بدأت الأخيرة عملياتها الفدائية في أرض فلسطين المحتلة عام 1948م، وكان أول شهيد لها على ما أذكر اسمه "محمود بكر حجازي" الذي كان "أحمد الشقيري"- رحمه الله- يردد اسمه كثيرًا.

 

الغاية من الصدام معروفة!! وهي مأساة جديدة للفلسطينيين الغرباء عن وطنهم، وهذه المرة بيد الجيش اللبناني العربي الذي لم يطلق رصاصةً واحدةً أيام حرب الصيف التي شنَّها العدو النازي اليهودي في يوليو 2006م ضد لبنان وشعبه ومقاومته، بل استقبل بعض قادته قوات الغزو بالترحيب، وقدموا لهم الشاي والمرطّبات، بدلاً من مقاومتهم وأَسْرهم، وهو ما كان متاحًا آنئذٍ ببساطةٍ شديدةٍ، ولكن القوم كان لهم رأي آخر!!

 

الآن يريد الجيش اللبناني أن ينفِّذ مهمةً أخرى بذريعة القضاء على "فتح الإسلام" التي لا يدري الناس عنها شيئًا حقيقيًّا، اللهم إلا ما يتعلق بتصفية القضية الفلسطينية والتوطين، أي إنهاء ما يسمى بـ"حق العودة"!!

 

"تسمين العجول" في مفهومي الريفي الساذج- حيث لا أعمل بالسياسة ولا أجيد فنون الحديث عنها- تعني إنشاء جماعات ومنظمات، تُزايد على بقية المنظمات الأخرى أو المنظمة الأمّ، وتدَّعي الوطنية الأكثر، والنضال الأعمق، والإخلاص الأكبر، ثم يبدأ الصراع بين المنشق والمنشق عنه؛ حيث يستهلك الجهد والدم والمال والسلاح مجانًا، بينما العدو يزغرد في "عبّه" فرَحًا وسعادةً بما يجري بين المناضلين من اقتتال وتناحر وسقوط الأبرياء.

 

كانت المنظمات المنشقَّة قديمًا تلقَى تمويلاً بطريق غير مباشر، من جهات وحكومات، بناءً على نصائح أوروبية أو أمريكية أو حتى روسية، مع تمويل بالمال والسلاح في صورة معُونات أو نحوها، ثم يسمع الناس عن عمليات هنا وهناك تُحوِّل الأنظار عن القضية الأساسية والمحنة الأصلية، وهي الغزو النازي اليهودي لفلسطين وإخلاؤها من أهلها، وبناء جسم غريب في قلب الأمة الإسلامية، و"منظمة أبي نضال" كانت نموذجًا فاقعًا لهذه الانشقاقات المريبة في تصرفاتها وسلوكياتها.

 

وأذكر أن الصحف ذات يوم في أواخر الستينيات من القرن الماضي نشرت تصريحًا "لهواري بومدين"- رئيس الجزائر الراحل- طلب فيه من ياسر عرفات أن يوحِّد المنظمات الفلسطينية بالقوة لتعمل داخل الأراضي المحتلة، وفقًا لقيادة عسكرية واحدة، وذلك بعد أن ضاق ذرعًا بمصارعة "الثيران" التي يتم تسمينها لذبحها، ولو كان ذلك بمعرفة جيوش نظامية، كما فعل الملك حسين في "أيلول الأسود" بقوات البادية؛ حيث تم طرد المقاومة من مكانها الإستراتيجي في الأردن إلى لبنان، وهناك قام بشير الجميل وسمير جعجع- وكان أيامها شابًّا صغيرًا- وكميل شمعون بإكمال المهمة، وتم "تحرير" فتح لاند- أي أرض فتح في الجنوب اللبناني بعد ذبح "الثيران" العجفاء- أي المدنيين- في صبرا وشاتيلا والكرانتينا والجنوب!!