لقد كان العصر الجاهلي غاصًّا بالمآثم والموبقات: عبادة الأوثان، أكل الميتة، إتيان الفواحش، قطع الأرحام، الإساءة إلى الجار، منطق البغي والقوة.. كانت هذه الملامح تمثل قائمة القيم الجاهلية، وهي- كما هو واضح- قائمة مختلة منحرفة، ألم ترَ إلى هؤلاء الجاهليين، وهم يفخرون "بفضيلة" البغي والعدوان، يقول عمرو بن كلثوم:

بغاة ظالمين وما ظلمنا     ولكنا سنَبْدَأُ ظالِمينّا

وقد يمتد الظلم إلى أقرب الناس على طريقة:

وأَحيانًا على بَكْرٍ أخِينَا         إذا مَا لَمْ نَجِدْ إلا أخَانَا

وتسربت رواسب من هذه المفاهيم الغالطة إلى نفوس بعض المسلمين فرددتها في ساعةٍ من ساعات الضعف البشرى والملاحاة العنيفة: فتميم بن مقبل يغضب غضبًا شديدًا؛ لأن النجاشي الشاعر هجاه.. نعم هجاه وهجا قبيلته بقوله:

قبيِّــلةٌ لا يغـدرون بذمةٍ              ولا يظلمـون الناسَ حبَّة خَرْدَل

ولا يـردون المـاء إلا عشيةً             إذا صـدر الوُرَّاد عن كلِّ منهل

تعاف الكلابُ الضارياتُ لحومَهُم  وتأكل من عَوف بن كَعْبِ بن نَهْشَلِ

وما سمى العجلان إلا لقولهِمُ   خُذ القعبَ واحلب أيها العبْدُ واعجلِ

 

وينطلق تميم مستعديًا عمر بن الخطاب على النجاشي ليؤدبه على هذا الهجاء، ويأتي رد عمر "تصحيحًا" لمفاهيم جاهلية غالطة: يعلق عمر- رضي الله عنه- على البيت الأول قائلاً: "ليتني من هؤلاء"، وعلى الثاني بقوله: "ذلك أصفى للماء وأقل للزحام" وعلى الثالث بقوله: "كفى ضياعًا بمَن تأكل الكلاب لحمه"، ويعلق على الرابع بقوله: "خير القوم أنفعهم لأهله".

***

وكانت لغة الدم- كما ألمحنا- هي اللغة المنطوقة واللغة المسموعة في الجزيرة العربية، وكانت الحروب تشتعل لأتفه الأسباب، من أجل ناقة.. كحرب البسوس، أو من أجل فرس كحرب داحس والغبراء، حتى أرباب الأديان السماوية في الجزيرة العربية، كانت لغة الدم هي أرفع اللغات صوتًا عندهم: يقول الفخر الرازي في تفسيره لسورة الأخدود "وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى فدعاهم فأجابوه فصار إليهم ذو نواس اليهودي بجنودٍ من حمير، فخيرهم بين النار واليهودية. فأبوا، فأحرق منهم اثني عشر ألفًا في الأخاديد، وقيل سبعين ألفًا، وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعًا، وعرضه اثنى عشر ذراعًا".

 

ومما ينقله التاريخ عن المجتمع الجاهلي وسيادة منطق القوة فيه، أنه إذا قابل الجاهلي آخر معه ظعينة وليس من قبيلته؛ ولا من قبيلةٍ لها معها حلف، تقاتلا، فإذا قُهِر صاحبُ الظعينة أُخذت منه سبية فاستحلها بذلك الغالب، ولكن الأولاد الذين تكون هذه أمهم يلحقهم العار في مدة حياتهم؛ ولذلك كان من مفاخر الرجل منهم أن تكون أمه حرة نسيبة لا سبية جليبة.
وبجانب الغدر ومنطق القوة، والدم، والحروب الدائمة، والعدوان الغاشم كانت هناك أمراض اجتماعية متعددة وعادات قبيحة كثيرة، منها وأد البنات.. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ(58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(59)﴾ (النحل).

 

وكان هناك أكل السحت، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعبادة الأصنام، وعبادة الملائكة، والجن، وإنكار البعث، والإيمان بالأزلام، ولعبهم الميسر، وحرصهم على الخمر، وتفننهم في شربها، وافتخارهم بالحرص عليها ومعاقرتها، وإتلاف المال من أجلها على حدِّ قول عنترة:

وإذا شربتُ فإنني مستهلك     مَالِي وعرضي وافرٌ لم يُكلَمِ

***

ولكن هذا المجتمع لم يخل من عددٍ من الفضائل منها: إكرام الضيف، ونصرة المظلوم أحيانًا، ولا ننسى في هذا المقام (حلف الفض