د. عبد الحميد الغزالي

 

بقلم: أ.د عبد الحميد غزلان الغزالي*

يُروى أن مدحت باشا عُيِّن واليًّا على العراق من قبل الخليفة العثماني فجمع أعيان بغداد واقترح عليهم زيادة الضرائب على الشعب لإصلاح المرافق المهترئة فأثنوا جميعًا على الفكرة الحكيمة، فكتب كتابًا إلى الباب العالي في تركيا يستأذن في فرض الضريبة ويخبره بموافقة الأعيان العراقيين على ذلك ووقَّعوا جميعًا على الكتاب، وأوهمهم بإرساله إلى مقرِّ الخلافة، وبعد أيامٍ جمعهم مرةً ثانيةً وأخبرهم أنه راجع نفسه في القرار السابق ولام نفسه نظرًا لفقر الناس وحاجتهم؛ الأمر الذي يجعل فرض ضرائب جديدة عبئًا ينؤون به، ولذلك اقترح إرسال كتابٍ آخر إلى الباب العالي يُلغي طلبهم في الكتاب الأول، فأثنوا جميعًا على الرحمة والشفقة والإنسانية التي يتحلى بها الوالي الكبير، فكتب كتابًا بالمعنى الثاني وجمع توقيعاتهم جميعًا عليه، وهنا أخرج لهم الكتاب الأول، وقال لهم: أين أنتم من هذين الكتابين؟، ولقنَّهم درسًا في الرجولة وحرية الرأي والاعتداد بالنفس والتمسك بالحق، وألا يكونوا إمعات؛ وذلك عملاً بقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤا اسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤا أن تجتنبوا إساءتهم".

 

قفزت هذه القصة إلى ذاكرتي عندما اقترح الرئيس تعديل 34 مادةً من الدستور على نحو معين فانطلق أساطين القانون الكبار يمتدحون الحكمةَ الملهمةَ والإلهام الحكيم، ويصوغون المواد على النحو الذي يُرضي فخامة الرئيس وتبعهم في ذلك القانونيون الصغار والسياسيون والنواب والصحفيون والإعلاميون أعضاء الحزب الوطني الطامحون والطامعون.

 

وخاضوا معارك عنيفةً ضد قطاعات كثيرة من الشعب، حتى أُقرَّت التعديلات كما أرادها الرئيس بالحرف في استفتاء علم الجميع كيف افتقر إلى النزاهة والأمانة شأن كافة الاستفتاءات التي شهدناها طيلة نصف القرن الأخير.

 

ثم انطلقت العُدَّةُ التشريعية تفرز قوانين جديدة بسرعة البرق تطيح بالهامش الضيق الباقي من الحريات والحقوق والعدالة واستقلال القضاء، فصدرت قوانين الأحكام العسكرية ومد سن القضاة ولا زالت قوانين مباشرة الحقوق السياسية والإرهاب تحت الإعداد رغم الاعتراض الشعبي الكبير على محتواها.

 

وهنا تواردت الأفكار والتساؤلات على خاطري، تُرى لو أنَّ الرئيسَ طلب تعديل تلك المواد وهذه القوانين على نحو معاكس ومناقض تمامًا للمعنى الذي طلبه أولاً ماذا كان موقف هذه الحوقة الضخمة من الأستاذة والخبراء والنواب والأتباع من الحزب الوطني الكبير؟ لا ريبَ أنهم جميعًا كانوا سيكونون مثل أعيان بغداد، وتنطلق قصائد الإطراء والمديح على الإرادة الرئاسية التي تحمي الحريات وتصون الحقوق وتحفظ الحرمات وتستجيب لآمال الشعب، ولن يتخلف من هؤلاء المتملقين الكثر الكبار أحد.

 

وهنا قفزت إلى ذهني صور متتابعة من قصة موسى وفرعون وملأ فرعون (أي العلية من قومه):-

الصورة الأولى: صورة السحرة وقد استعان بهم فرعون لإبطال معجزة موسى عليه السلام فكان تساؤلهم الأول: ﴿أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ (الشعراء: من الآية 41) فلم يكتفِ فرعون بوعدهم بالمال الوفير وإنما أضاف له المناصب المقربة بحيث يصبحون من بطانته وحاشيته ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ (42)﴾ (الشعراء)، ولقد كان هذان الأمران دومًا السبب الرئيس الذي يُجرِّد الإنسان من رجولته ويحوله إلى إمعة تتقاذفه الأهواء.

 

الصورة الثانية: صورة فرعون يوم وقف يخاطب قومه صراحةً: ﴿مَ