![]() |
|
م. خالد حفظي |
في إحدى ليالي خريف العام 1981م، وفيما سُمِّي وقتها بـ(أيلول الأسود.. النسخة المصرية) دق جرس الباب ففتحت لأجد ضابط المباحث بالباب واقفًا يطلب مني- بأدب جمٍّ- الاستعداد للذهاب معه خمس دقائق!! والعودة للبيت بعد ذلك، وقد شاء الله أن يبارك في هذه الخمس دقائق حتى إنها اقتربت من عام كامل، والحمد لله على هذه البركة!!
ومن ألطف ما سمعت حول هذه (الخمس دقائق) ما سمعته من أستاذنا الشيخ/ محمد حسين (حفظه الله)، فقد طلب منه الضابط- في نفس الاعتقالات- أن يذهب معه لمدة ربع ساعة، وفوجئ الضابط بالشيخ يطلب من أهل بيته تجهيز ملابس صيفية وشتوية بكميات كبيرة، فسأل الشيخ متعجبًا: لِمَ كل هذه الملابس وأنا قلت لك ربع ساعة فقط؟! فرد عليه الشيخ بخفّة ظله المعهودة قائلاً: في عام 1965م قلتم لنا خمس دقائق وجلسنا عشر سنين!! والآن تقول لي ربع ساعة، فالله وحده يعلم إن كنا سنعود للبيت مرةً أخرى أم لا!!
توجهنا بعدها لمقر مباحث أمن الدولة بشبين الكوم لأقابل هناك الأخ معاوية هيكل من كلية الزراعة والأخ أحمد عامر من كلية العلوم، ثم توجَّهنا جميعًا إلى حجز قسم شرطة شبين؛ تمهيدًا لترحيلنا، وهنا بدأ (الجد)، فقد بات ثلاثتنا في الحجز ليلتين من أحلك الليالي؛ حيث كان معنا جماعة من أرباب السوابق والمجرمين الذين يمارسون حياتهم بشكل يجعلك تسأل نفسك ألف مرة: هل خرج هؤلاء من ظهر آدم مثل باقي البشر؟! إذ يكفي أن تكون جالسًا في أمان الله ثم تفاجأ بأحدهم يرفع ملابسه ثم يقضي حاجته بلا مبالاة عجيبة بجانبك.. هكذا والله (ولا إحم ولا دستور) كما يقول أهلنا في الريف، ومرَّت علينا الليلتان ونحن نلهث بالدعاء: يا رب أخرجنا من هذا المكان حتى ولو إلى الليمان!!
في صباح اليوم الثالث استجاب الله لدعائنا ونادى الشاويش: "الجماعة السياسيين".. فانفرجت أساريرنا وردَّدنا بفرح وفخر: نعم، فقال: ترحيل، ركبنا سيارة الترحيلات وتوجَّهنا إلى حيث لا نعلم، وجلسْنا نضرب أخماسًا في أسداس، حتى وجدنا أنفسنا أمام بوابة ضخمة تعلوها لوحةٌ كبيرةٌ كُتِب عليها بخط جميل: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُوْنَنِيْ إِلَيْهِ﴾ صدق الله العظيم.. هكذا والله!! وكانت هذه إشارةً لنا أننا بدأنا الرحلة أو البعثة كما كان يحلو لكثير منا تسميتها.
بعد ساعات عرفنا أننا داخل سجن المرج، وتفرقنا.. كلٌّ في زنزانته الانفرادية ليلة أو ليلتين لا أذكر، حتى سمعنا ذات صباح قرآن الجمعة وأخرجونا وقتها من الزنازين، وأذكر وقتها أنني سألت أحد الضباط بسذاجة: هل سنذهب لصلاة الجمعة؟! فرد: إن شاء الله حتصلوا الجمعة!! وكان إخراجنا من الزنازين تمهيدًا لترحيلنا إلى سجن آخر.
أَرْكَبونا بعدها سيارة الترحيلات معصوبي الأعين وكما الحيوانات، لا موضع لقدم، وانطلقت بنا السيارة في (زفة) من الحراسة إلى حيث لا ندري، وهنا بدأت بورصة التكهنات، فمن قائل يقول: إننا متوجِّهون إلى ليمان طرة، فيرد عليه آخر: ليمان طرة إيه؟! دا السادات هدّه!! إلى قائل: نحن متوجهون إلى الواحات، فيرد ثالث: لا.. بل إلى وادي النطرون، وهكذا زادت التكهُّنات والتوقُّعات وتعدَّدت، ولم يكن يجمع هذه الأماكن في ذهني إلا أمر واحد: أن داخلها مفقود والخارج منها مولود، وذلك طبقًا لما أعرفه من قراءاتي السابقة عما لقيه السابقون في السجون والمعتقلات.
ظل بنا الحال هكذا حتى وقفت السيارة وفُتح بابها وبدأنا في النزول منها، وهنا بدأت الصرخات والآهات، فما إن ينزل الواحد منا حتى تتلقَّفَه الأيدي والأرجل في همجية ووحشية لا نظير لها فيما كانوا يسمونه (حفلة الاس
