بقلم: د. حامد أنور*

يظن أدعياء الفكر وأشباه المثقفين أنهم قد يتحولون في فترة من الفترات إلى شخصيات كاريزمية تتجمَّع حولها الجماهير، وتنتظر أطروحاتها ونتاجها الفكري الذي يكون في الغالب معطوبًا، ويظنون أيضًا أن الجماهير ستتعلق به، ويصبح منهج حياة لهم وعقيدةً فكريةً جديدةً، تجبُّ ما قبلها وما دونها إلا من أفكارهم وما أخرجته عقولهم، فخرج علينا في الفترة الأخيرة رجلان أنعم الغرب عليهما ليتبوَّآ مساحةً كبيرةً في الإعلام المصري هي بكل المقاييس أكبر كثيرًا من حجمهما وأبرز هؤلاء اثنان..

أما الأول فقد انتقد ما يُعرف بالقومية العربية- وأنا اتفق معه في ذلك- لكنه أراد أن يستبدل بها مفهوم الهوية المصرية مع الثقافة العربية، ولا أدرى من أين يأتي هذا السيناريست المحترم بمثل هذا الكلام.. ماذا يقصد بالهوية المصرية؟ فهل أصبحت الهوية تحددها الأسلاك الشائكة بين البلدان؟ وهل الهوية من التفاهة أن نحصرها في هذه الزاوية؟!

 

لذلك لم أستطع أن أفهم ما طرحه سيادته في مسلسل "أرابيسك" حينما أراد أن يجعل حسن أرابيسك- والذي كان بلطجيًّا- يعلمنا نحن معنى الهوية ويقوم بهدم الفيلا في النهاية، وهو  حلٌّ غريبٌ، فهل البديل هو الهدم والدمار؟!

 

ثم جاء الآخر ليتلقفنا في صحيفة "المصري اليوم" بتاريخ 18/5/2007م، ويرفض ما قاله الأول، الذي مال إلى الثقافة العربية بجانب ما يظنه زورًا الهوية المصرية، ويقول ولا حتى ثقافة عربية لأنه يرى أن الثقافة هي الهوية ولا شيء غير الثقافة، وهو يرفض الثقافة العربية، وهو يقصد الإسلامية، ولكنه يخشى انقلاب الجماهير, وينفى عن الهوية تأثير الجانب الاقتصادي، سواءٌ كنت اشتراكيًّا أو رأسماليًّا، رغم أن هذا الجانب قسَّم العالم إلى معسكر غربي وآخر شرقي، وقسَّم سكان دولة واحدة بجدار إلى دولتين هي ألمانيا، رغم أنهما تحت مظلة الدين العلماني، ثم ينفي عن الهوية الجانب الديني، فيمكن للإنسان- حسب قوله- أن ينتقل من دين لآخر دون تغيير في هويته، وهذه سطحية شديدة لا أدري كيف تصدُر ممن يكون ريئسًا لاتحاد الكتاب، وتلك سذاجةٌ فكريةٌ غيرُ مقبولة على الإطلاق؛ لأن الدين هو العامل الأبرز في تحديد الهوية؛ لأن تغيير الإنسان لدينه يتبعه تغيير في أفكاره وسلوكياته، بل ونظرته للكون، وينعكس كثيرًا على مظهره الخارجي، خاصةً في الإسلام الذي يأمرنا بمخالفة المشركين حتى في الشارب واللحية، وعدم التشبه بهم، فكيف لا يكون الدين هو العامل الأوحد للهوية، ولكنه جعل الهوية فقط ثقافيةً وثقافيةً لا شيء سواها، ويقول إنه لا يوجد عرقٌ أمريكيٌّ ولكن توجد ثقافة أمريكية، ولا يوجد عرق فرنسي ولكن توجد ثقافة فرنسية، تنصهر تحت رايتها الأجناس.. الأحمر والأسود والأبيض والأنجلوساكسون والجرمان، ولا أدري ما الفرق بين الثقافة الأمريكية والفرنسية سوى في عامل اللغة فقط، وما عداها فلا.

 

يا سيدي.. إن تمثال الحرية هدية من الفرنسيين إلى أمريكا، وإنني لا أستطيع أن أميِّز بالشكل بين السيدة الأمريكية أو الفرنسية أو الألمانية، ولكن أستطيع أن أعلم حين أرى المظاهرات في أوروبا أن فيها امرأةً مسلمة لأنها ترتدي الحجاب، ومن خلال هذا المفهوم للهوية هل تريدنا أن نلبس الملابس الفرعونية القديمة ونعبد الفرعون، ونسبح بحمد "رع"  و"حتحور"؟!
وهكذا ضاع مفهوم الهوية بين شطحات الاثنين.. مساكين هؤلاء الذين يسمون أنفسهم المثقفين المصريين.

----------

*d.hamedanwar@yahoo.com