فاجأ الإخوان المسلمون معظم المراقبين بقرارهم خوض انتخابات مجلس الشورى القادم في يونيو، رغم الحملة الأمنية والإعلامية المكثَّفة ضدهم، والتي انطلقت منذ شهور في أعقاب العرض الرياضي الاستعراضي لطلاب جامعة الأزهر في ديسمبر 2006م.

 

أعلن الإخوان خوض الانتخابات بما لا يزيد على عشرين مرشحًا من أصل 88 مقعدًا يتم التنافس عليها في 23 محافظةً مصريةً في 67 دائرة، وهي تمثل ثلث أعضاء المجلس الذي يتم انتخاب ثلثي أعضائه ويعيّن الرئيس الثلث الباقي.

 

المفاجأة كانت في أن دور المجلس هامشيٌّ في الحياة السياسية المصرية، ورغم أن هناك جدلاً ظهر مع التعديلات الدستورية الجديدة والتي بيَّنت أن هناك صراعًا داخل أروقة الحزب الوطني الحاكم وكذلك بين رئاستَي المجلسين الشعب والشورى حول إعطاء دور أكبر بمجلس الشورى في العملية التشريعية، وجاءت مشاركة الإخوان شبه منفردين في مواجهة الحزب الوطني بعد إعلان حزبَي الوفد والناصري مقاطعة الانتخابات وترشيح حزب التجمع لاثنين فقط ولم تستطع بقية أحزاب المعارضة- التي وصل عددها 22- ترشيح أكثر من 3 مرشحين، بينما أعلن د. نعمان جمعة- الرئيس السابق لحزب الوفد، والذي يخوض معركةً قضائيةً للعودة إلى موقعه- ترشيح عدد من 9-20 على رأسهم ابنته د. إيمان جمعة الإعلامية الشهيرة، وحزب (الغد) قد يرشِّح عددًا يتراوح بين 3- 5.

 

ومع عزوف المستقلين عن خوض انتخاباتٍ مرهِقة فإن المعركة ستدور بين مرشَّحِي الإخوان في دوائرهم والجهات الأمنية والإدارية التي تُدير الانتخابات، وستكون هناك معركة فرعية في حوالي 11 دائرةً على المقاعد التي أَعلن الحزب الوطني أنه سيترك التنافس عليها حرًّا، ولا يسمي فيها مرشحًا للحزب، وهي ظاهرة تكرَّرت وتعكس عدم الانضباط داخل الحزب وتعكس حجم الصراعات بين أجنحته.

 

لماذا يخوض الإخوان معركةً كهذه تبدو خاسرةً بالحسابات السياسية؟! سؤال يطرحه الكثيرون وقد لا يقتنعون بالأجوبة المطروحة..

 

الإخوان هيئة إسلامية عامة، السياسة جزء من اهتماماتها، وفهم الإخوان للانتخابات في ظل الانسداد السياسي، وتزوير الانتخابات وعدم نزاهتها يختلف عن فهم الأحزاب السياسية التقليدية.

 

الأحزاب السياسية هدفها الوحيد وهو الوصول إلى السلطة لتنفيذ برامجها، إن كان لها في بلادنا برامج أو أملاً في الوصول إلى السلطة؛ حيث الطريق مسدود!! لذلك فهي عندما تقاطع أو تخرج من الحلبة تمامًا وتتوقف تكون صادقةً مع نفسها ومع أعضائها، والسؤال الحقيقي هو: لماذا تستمر وتشارك جماعة الإخوان في خوض هذه الانتخابات؟!

 

 الحركات الإسلامية السلمية الإصلاحية لها هدف مختلف، فهي تسعى إلى الإصلاح والتغيير السلمي بكل الطرق والوسائل، وتستخدم جميع الأساليب، وتشارك في كل المجالات.. سياسيةً واقتصاديةً واجتماعيةً وثقافيةً وفكريةً وإنسانيةً وفنيةً.. إلخ؛ للتغيير المجتمعي من أسفل وليس من أعلى.

 

فالانتخابات بالنسبة للإخوان وبقية الحركات التي تسبح على منوالهم وتسير على منهجهم السلمي الإصلاحي مشروعٌ ضخمٌ، يهدف إلى تحقيق أهداف كثيرة، منها إيصال أكبر عدد من الفائزين إلى مقاعد المجالس التشريعية والشورية والمحلية والنقابية والطلابية والرياضية.. إلخ.

 

الحركات التي لا تنتمي إلى مدرسة الإخوان- خاصةً حركات العنف بكل أنواعها- لها رأيٌ مختلفٌ، فهي تريد السلطة للتغيير، وهي تردد باستمرار أن قضية الدعوة والتربية التي تتبعها الإخوان لا أملَ فيها ولا جدوى منها، وأنها استمرت أكثر من 80 عامًا دون جدوى، وقد سلكت هذه الحركات طريقًا آخر منذ بداية السبعينيات، وهو الانقلاب العسكري.. أو حرب العصابات.. أو حرب استنزاف النظام.. إلخ، منذ العملية الأولى التي حاولها المرحوم يحيى هاشم، ثم تجسَّدت بصورةٍ أكثر وضوحًا في عملية الفنية العسكرية عام 1974م، وتنظيمات الجهاد المتكررة التي تم القبض على اثنين منهما عامَي 77، 1979م، وانتهت باغتيال الرئيس السادات، في عمليةٍ غير مسبوقة في تاريخ مصر، استهدفت رأس السلطة، وفشلت فشلاً ذريعًا في الوصول إلى السلطة نفسها، ثم دخلت الجماعة الإسلامية إلى مسار استهدف الإفراج عن قياداتها وأعضائها أو التخفيف من معاناتهم داخل السجون، وفشلت عمليات الجماعة الإسلامية طوال عقد من الزمان في تحقيق هذا الهدف، بينما نجحت مبادرة وقف العنف خلال عشر سنوات في إنهاء المعاناة والإفراج عن الجميع باستثناء أحكام المؤبد والإعدام.

 

حدث تطور مهم في مسيرة هذه الحركات داخل مصر، فتحولت الجماعة الإسلامية إلى الدعوة، وتركت العنف تمامًا، وما زالت متردِّدةً في خوض غمار السياسة، بل كتب أحد شيوخها- الزميل د. ناجح إبراهيم- يدعو الإخوان والإسلاميين إلى ترك السياسة تمامًا والاهتمام بالدعوة فقط!!

 

وتبعتها جماعة الجهاد في مبادرة قيْد الإعداد يتسرَّب من أخبارها أن المنظِّر الرئيس لجماعة الجهاد د. سيد إمام عبد العزيز زميل الدراسة الذي تخرَّج قبلي بسنوات قليلة من نفس الكلية (طب قصر العيني) هو الذي يتولى إعدادها، وستكون- إن تمت- إضافةً جيدةً وترسيخًا لمبدأ العمل السلمي الإصلاحي في الحركات الإسلامية.

 

خيار الإخوان ليس السلطة، ولكنه الإصلاح على منهج الإسلام، والتغيير الهادئ المتدرِّج، وبناء نهضة شاملة على قواعد ومبادئ الإسلام العظيم، تبدأ بإصلاح الفرد والبيت وإرشاد المجتمع، وتستمر بإصلاح الحكم وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، وتنتهي بأستاذية العالم بالهداية والإرشاد والدعوة، وليس بالوصاية والاحتلال والقهر.

 

فهو قد يكون طويلاً ويراه البعض أحلامًا ويستغرق أجيالاً، لكننا اخترناه بعد دراسةٍ عميقةٍٍ وتأمُّلٍ طويلٍ في سيرة الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وتاريخ الإسلام وحضارات الشعوب وتجارب المسلمين والمصلحين.

 

في إطار هذا المنهج تأتي الانتخابات بكل أنواعها لتبدو ورشة عمل ضخمة.. ورشة للتدريب على التفكير والإعداد، واتخاذ القرارات، وتنفيذ الإجراءات، ومتابعة الأعمال، وتقييم الجهود والأفراد، وضخّ دماء جديدة في حياة الإخوان، وتجديد خلايا الإخوان التي تحتاج إلى تنشيط وتذكير.. ورشة عمل لإعداد البرامج، ودراسة المشاكل، وتقديم الحلول.. ورشة عمل للتواصل مع المجتمع، وشرح الفكرة، وبيان البرنامج، وجذب الأنظار للفكرة وليس للتنظيم.. ورشة عمل للتعامل مع النظام والأمن والقضاة والإداريين والسياسيين والحزبيين وغيرهم من الناس.. ورشة عمل للابتكار والإبداع والتغلب على العقبات، وتجاوز السدود، واجتياز العوائق في سباق على قلوب وعقول المربين، وليس على مجرد أصواتهم أو على مقعد هنا أو هناك.. ورشة عمل النجاح فيها ليس بحجم الأصوات- وهو مهمٌّ جدًّا- وليس بعدد المقاعد- وهو لا يقل أهميةً- ولكن النجاح فيها هو بإخلاص النية وتوجُّه القصد لله تعالى، وتحقيق الأهداف، وإنجاز التدريبات.

 

كان آخر نجاح للإخوان في آخر انتخابات بجامعة القاهرة حافزًا للإخوان في كل مكان على بذل المزيد من الوقت والجهد في هذه الأيام، وباعثًا للأمل، لقد نجحت قائمةٌ أيَّدها الإخوان (جامعيون من أجل الإصلاح)، على رأسها أستاذ بارز هو أ. د. عبد الجليل مصطفى- الرمز السياسي بحركة (كفاية)- بفارق ضخم على قائمة لجنة السياسات، ونجح معها التوافق على برنامج إصلاحي بين الفرقاء السياسيين والتنسيق لإصلاح الجامعة، والوقوف في وجه الاستبداد والديكتاتورية والمفروضين بقوة التعيين، من عمداء ومدراء.. هذا نموذج للنجاح يمكن الاستفادة به، مع صعوبة ذلك في الحياة العامة لأسباب لا تخفى على أحد، أهمها عدم وجود شركاء في صدق وإخلاص د. عبد الجليل مصطفى.

 

بشائر الانتخابات غير مشجعة، فالحواجز الأمنية تسدُّ الطرق في وجه المرشحين، واللجنة العليا للانتخابات تبدو حاجزًا أمنيًّا آخر، ووسائل الدعاية ستختلف هذه المرة، فقد تمتنع الدعاية تمامًا؛ بسبب الحذر الشديد من الإجراءات القمعية التي ستتخذها الإدارة ولجنة الانتخابات، ولعل في ذلك خيرًا، فلسنا في حاجة إلى إنفاقٍ ماليٍّ، بل نحن في حاجةٍ إلى جهد بشري للتواصل المباشر مع الناخبين لإقناعهم بالبرنامج الذي طرحه الإخوان، مع انطلاق ورشة الانتخابات، ولم يطرح أحد غيرهم أي أفكار أو برامج، بما فيها الحزب الوطني، ثم لإقناع الناخبين بالذهاب إلى صناديق الانتخابات، ثم إقناعهم بالتصويت لمرشح الإخوان، وأخيرًا الاطمئنان على مراقبة جيِّدة لعملية التصويت لضمان أكبر قدر ممكن من النزاهة في ظل غياب الإشراف القضائي على الانتخابات.

 

إذن.. قد لا تكون هناك لافتاتٌ ولا "بوسترات" ولا مؤتمرات ولا مسيرات.. سيكون هناك اتصالٌ مباشر ومتكرر في كل المنتديات.. حديث الانتخابات طويل، ولعل لنا عودة إلى مسارات الانتخابات، مع ضرورة هدوء الأعصاب.

 

نهاية العناد.. يتساقطون من حول بوش وتشيني

أَجبر مجلس إدارة البنك الدولي بول وولفوتيز على الاستقالة مع حلول 30/6 بعد فترة من العناد، ورغم دعم الرئيس بوش.

 

وأجبر حزب العمال البريطاني زعيمَ الحزب توني بلير على الاستقالة في 28/6؛ خشية سقوط الحزب في الانتخابات القادمة، مع صعود أسهم حزب المحافظين المنافس في استطلاعات الرأي، وقام بلير بزيارة وداعية لبوش أعلن فيها ولاءَه حتى النهاية.

 

جاء تشيني في زيارة إلى المنطقة وُصفت بأنها فاشلةٌ على عكس جميع زياراته السابقة، والتي أدَّت إلى الخراب الذي حلَّ بالمنطقة وسبق هؤلاء في التساقط آخرون، على رأسهم رامسفيلد، وسيأتي اليوم الذي يغادر فيه كلٌّ مِن بوش وتشيني البيت الأبيض، وهذه المرة إلى غير رجعة.

 

هل هناك مَن لا زال يجادل في أن للديمقراطية فوائدَ إيجابيةً عديدةً؟! الديمقراطية هنا تعني الرأي العام الضاغط الحر.. استطلاعات الرأي النزيهة.. احترام القواعد والأصول والقيم.. عدم تقديس الفرد.. تحديد مدة رئيس الدولة بمدتين فقط.. وأيضًا الانتخابات الحرة النزيهة، وهذه كلها إما من قيم الإسلام الثابتة، وإما أنها تتفق من القواعد العامة للإسلام، وإما أنها من المصالح المرسلة.

 

حسن الكرمي.. سنوات من العطاء

توفي إلى رحمة الله الباحث والإعلامي اللامع بإذاعة لندن حسن الكرمي عن عمرٍ ناهز الـ102 من الأعوام بعمان بالأردن، تربيتُ- ومعي الملايين- على تذوُّق اللغة العربية السلسة في برنامجه الأشهر وأحد أطول البرامج الإذاعية "قول على قول".. رحمه الله رحمةً واسعة، ورحم معه كثيرًا ممن أثَّروا في حياتي أحياءً وأمواتًا، أو مَن علمني تجويد القرآن العظيم، الأستاذ الدكتور عبد الستار أبو الدهب بهندسة القاهرة، أطال الله عمره، وختم له بخير..

أفضل مَن علمني الدعوة إلى الله تعالى المرحوم الشيخ الغزالي.

 

أكثر من دلَّني على طريق العمل للإسلام تأثيرًا المرحومان عمر التلمساني ومصطفى مشهور.

 

أقوى من أثَّر فيَّ بلغته الخطابية المرحومان الشيخ صلاح أبو إسماعيل والشيخ عبد الحميد كشك.

 

صاحب الحجة القوية في المجال السياسي والقانوني المرحوم محمد المأمون الهضيبي.. رحم الله الجميع.