كانت زيارتي الأولى لسوريا في يوم 6 من أبريل 2003م، قبل سقوط بغداد بثلاثة أيام وكنتُ على رأس بعثة إغاثة طبية أرسلتها لجنتا الإغاثة في اتحاد الأطباء العرب ونقابة أطباء مصر لتقديم معونةٍ طبيةٍ عاجلة تمثَّلت في شاحنتين كبيرتين ذهبتا عن طريق الأردن ومستلزمات طبية غالية الثمن لجراحات العظام والفكين والصدر والقلب والتجميل والأوعية الدموية مع فريقٍ من أساتذة الطب في جامعات مصر في التخصصات النادرة، وكانت رحلةً عجيبةً وصلنا فيها حتى مدينة القائم العراقية على الحدود السورية في محافظة دير الزور، ولم نُفلح في الدخول للأراضي العراقية، حتى جاء خبر سقوط بغداد ونحن على الحدود فرجعنا نحمل الأحزان وللرحلة قصة طويلة كتبتها في شكل يومياتٍ استولى عليها أمن المحروسة عند القبض عليَّ بعد ذلك بخمسة شهور بالتمام والكمال!

 

لكن مما لا زال يعلق في ذاكرتي تلك الرحلة الطويلة التي مررنا بها عند السفر من دمشق للحدود العراقية؛ حيث استغرقت أكثر من 6 ساعاتٍ وكانت مدينة تدمر إحدى الاستراحات التي توقفنا بها وكنا ليلاً لم نستمتع بجولة فيها أو حتى نتبين طبيعتها التي بدا عليها المناخ الصحراوي الجاف؛ لذا كانت مؤهلةً وما زالت لتحتوي أسوأ سجون سوريا التي شهدت مذابح ضد المساجين بها وأغلبهم سياسيون كما حدث في سجون مصر في الستينيات!!

 

ولا أدري لماذا دائمًا كنت أشمُّ رائحة مصر ونموذج الحياة في مصر خلال ستينيات القرن الماضي في تجوالي في مدن وشوارع سوريا؟ ولماذا ما زالت سوريا تعيش في هذا الماضي حيث لا صوت يعلو فوق صوت الحاكم وزبانيته! بلا شريكٍ ولو من باب المنظر كما في مصر اليوم؟!!

 

المهم والشاهد هنا هو لقائي ببعض السكان الذين كانوا جلوسًا على مقهى فإذا بهم ينظرون إلينا ونحن نمرُّ أمامهم بعد أن ألقينا عليهم التحيةَ حتى أدركنا أحدهم وقال لي: "مش حضرتك الدكتور جمال حشمت بتاع الإخوان المسلمين"!! قلت له وقد تملكني شعورٌ قويٌ بالاستغراب أن يتعرف عليَّ أحدٌ هنا في سوريا! وفي تلك الصحراء! وفي تدْمُر وبالقرب من أشهر سجون التعذيب في سوريا!، فقلتُ له نعم، فقال: "مش أنت كنت على "الجزيرة" مع أحمد منصور في "بلا حدود"؟ قلت: نعم تمام، قال: "إحنا هنا ندعو لكم ربنا يوفقكم ويوفق الإخوان".. شكرته وكل مَن تجمَّع حولنا وغادرنا المكان وأنا في ذهولٍ من هذا الموقف الذي جعل الدنيا أمام عيني صغيرةً وأدركتُ أن الخير والحق بالغٌ بفضل الله عنان السماء.

 

كم تذكرت في هذه الرحلة مرافقنا المتطوع الرجل المعلم الذي اصطحبنا في جولةٍ داخل المسجد الأموي يُعرِّفنا بأركانه وتاريخه والذي تلعثَّم عندما أخبره مرافقي العزيز الدكتور عبد الفتاح رزق بأني نائب من نواب الإخوان في مجلس الشعب المصري فإذا به ينصحنا مخلصًا وبحب ألا نذكر ذلك أبدًا هنا حيث يوجد القانون 49 القاضي بإعدام كل مَن ينتسب إلى الإخوان المسلمين.. فشكرناه ممتنين واستمتعنا بجولةٍ في مقر الخلافة يوم كنا أسودًا!! ولكن ما هي قصة "منحبك دي"!!

 

"منحبك" الشعار الذي تبناه بشار الأسد للحملة الدعائية للتصويت والاستفتاء الذي سيجري في 27/5/2007م، والتي كان مقررًا إجراؤها في 10/7/2007م حسب الدستور السوري المعمول به منذ العام 1973م، وبدأت تتوسع الحملة الدعائية لعملية انتخابات الرئاسة؛ حيث من المفترض أن تنتهي الولاية الرئاسية الحالية قبل شهر من تسلم الرئيس الجديد مهامه والتي ستكون في شهر يوليو القادم بسبب تقدم موعد الاستفتاء.

 

وفي دمشق العاصمة بدت مظاهر الحملة تكثر يومًا بعد يومٍ وفي ضواحيها كذلك، وباتت لوحات الإعلانات في الشارع معرضًا لصور الرئيس المنتهية ولايته وغطت اللافتات التي تؤيد ترشيح الرئيس بشار الأسد لولاية دستورية جديدة أغلب جسور المشاة المعلقة، ومن الملاحظ أن هذه الحملة قد تبنتها شركة سيرتيل للهواتف النقالة والتي تعود ملكيتها إلى رامي مخلوف وهو ابن خال الرئيس بشار الأسد، وبَنَتْ هذه الشركة خيمةً كبيرةً في وسط ساحة الأمويين للاحتفالات الشعبية فيها، وجهزت هذه الخيمة بأثاث وتجهيزات باهظة الثمن.

 

هل هناك تشابه بين هنا وهناك توريث هناك ورغبة هنا في إتمام التوريث! سيطرة للأمن ولرأس المال هنا وهناك، حملات مبايعة بالإكراه وزفة تأييد جبرًا وإلا؟!... هنا وهناك، تآمر الشيوعيين وأغلب اليساريين وتحالفهم مع العلمانيين وارتماؤهم تحت أقدام السلطة هنا وهناك، أداء الأغلبية في مجلس الشعب واحد هنا وهناك، فساد وإفساد في الداخل وضعف وتردٍّ في الخارج هنا وهناك، والشهادة لله هناك اختلاف في انتخابات الشورى هنا واستفتاء الرئاسة هناك!! فقد قرر الحزب الوطني هنا إجراء انتخابات الشورى في عز امتحانات الطلاب حتى يُفوِّت عليهم فرص المشاركة خاصةً مع نزول الإخوان، أما هناك فقد أصدر الرئيس قرارًا بتأجيل الامتحانات لمنح الشعب وأبنائه فرصة المشاركة بالشحن والإجبار كي يبدو الاستفتاء ناجحًا خاصةً في عدم وجود أي منافسةٍ للرئيس القائد!!

 

ولعل أهم أوجه الشبه الموجودة بين النظامين هو نظرتهما إلى المعارضة في الداخل، فالرئيس بشار- احتياطي باسل عليه رحمة الله- عندما سأله مراسل جريدة "الجزيرة" السعودية في 15 مارس 2007م، عن المعارضة السورية وهل لها وجود؟ وكيف تتعاملون معها؟ قال بمنتهى الحزم والثقة: "ما يعنيني كمسئول.. من المعارضة أن أتعرف منها على الأخطاء التي أستطيع أن أصلحها، هذه هي وجهة نظري عدا ذلك تصبح هناك أشياء لها علاقة بطبيعة الناس، لا تهمنا ما يهمنا هو ماذا نستطيع أن نأخذ من أفكار لدى المعارضة وهكذا نتعامل معها"!!! هذا هناك، أما هنا فقانون الأحزاب عندنا في مصر لا يقر بتداول السلطة ويحصر مهمة الأحزاب في التعريف التالي: "تسهم الأحزاب السياسية التي تؤسس طبقًا لأحكام هذا القانون في تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي للوطن على أساس الوحدة الوطنية وتحالف قوى الشعب العاملة والسلام الاجتماعي والاشتراكية الديمقراطية والحفاظ على مكاسب العمال والفلاحين؛ وذلك كله على الوجه المبين بالدستور. وتعمل هذه الأحزاب باعتبارها تنظيمات وطنية وشعبية وديمقراطية على تجميع المواطنين وتمثيلهم سياسيًّا.

 

تلك هي العدوى الملعونة والفكر الجديد الذي انتقل وامتدَّ بعرض الوطن وطوله!! فلا ذكر لتداول السلطة والمسئول يبقى على الدوام ليأخذ من المعارضة الأخطاء ليقوم هو- مرتكب الأخطاء- بإصلاحها!! يا مثبت العقل وسط تلك العقليات الفذة!! بدلاً من المساءلة والمحاسبة والتغيير إذا لزم الأمر من خلال الانتخابات والإقرار بحق المعارضة في تداول السلطة، يقتصر دور المعارضة الوحشة في التفكير السياسي البشاري- المباركي بالانتقاد وكشف الأخطاء وما يترتب عليه من تجريس وتحرش واعتقال وتعذيب ونفي للمعارضين! كي يضمن الحاكم منهم أن يبقى حاكمًا مدى الحياة وأبد الدهر ولتبقى المعارضة معارضة- إن كان عاجبها- ناصحة أمينة ما تبقى لها من عمر إن كان لها عمر في ظل شعار "منحبك يا ريس والله منحب كمان ابنك حافظ- ابن بشار" والذي يعده لخلافته!!! بالذمة- ذمة الحزب الوطني- إحنا مش هنا أرحم من هناك!!