بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل
لعل مرور سبع سنوات على تولي الرئيس بشار الأسد حكم سوريا مناسبةٌ لدراسة السياسة الخارجية السورية خلال هذه الحقبة، فضلاً عن أن أسبابًا كثيرةً تدفع إلى الاهتمام بهذا الموضوع، وأهم هذه الأسباب تلك التطورات الهائلة التي وقعت في المنطقة ودفعت بسوريا إلى مقدمة الأحداث، كما أن البحث في هذا الموضوع يطرح عددًا من القضايا؛ مما يدخل في إطار المسكوت عنه سوريًّا، وهو بحاجة إلى تركيز الأضواء عليه ما دام قد أصبح جزءًا من تاريخ هذه المنطقة، وسوف أختار خمس قضايا للتحليل في هذه العجالة:
القضية الأولى: تتعلق بتقييم السياسة الخارجية السورية في عهد الرئيس حافظ الأسد، وبيان الفارق بين ما يواجه سوريا الآن وما كان يواجهها في العقود الماضية.. مما يُذكَر للرئيس حافظ الأسد أنه كان شخصيةً مؤثرةً وبارزةً في عصره على المستوى الدولي والعربي، مثلما يحسب له أنه حقَّق لسوريا وحدةً في المجتمع والإقليم واستقرارًا وانسجامًا عامًّا أمَّن به الجبهة الداخلية، واعتمدت سياسته الخارجية على التقارب مع الاتحاد السوفيتي وضمان موقع متميز في النظام العربي مع مصر والسعودية، حتى رغم العداء المرير بين البعث في سوريا والعراق، وعلاقة طيبة مع إيران، خاصة خلال الحرب العراقية الإيرانية، حتى رغم ما كان يردِّده صدام حسين من أنه يدافع عن البوابة الشرقية للأمة العربية، ودون أن يخشى الرئيس حافظ الأسد خطرَ تهديد صورة سوريا العربية في الشارع العربي الذي وقف بشكل عام مع صدام حسين، واعتبر إيران خطرًا لا يقل عن خطر إسرائيل على العالم العربي.
فلما احتل صدام الكويت باسم القومية العربية سهَّل ذلك على الرئيس حافظ الأسد أن ينضم إلى التحالف الدولي مع مصر ودول الخليج بقيادة واشنطن وبقرارات مجلس الأمن لتحرير الكويت، ولم يخشَ الرئيس الأسد أن يُتَّهَم بأنه وقفَ ضد دولة عربية وبجانب الولايات المتحدة الداعمة لإسرائيل، حتى رغم أن المخطط الأمريكي استهدف العراق، وأن واشنطن داعمة لإسرائيل وأن جانبًا كبيرًا من الشارع العربي اختار الوقوف مع صدام ضد ما رآه مؤامرةً أمريكيةً على المنطقة أعتقد أن صدام كان أحد ضحاياها وأحد رموز مقاومتها.
من القسمات الأساسية لسياسة الأسد أيضًا المحافظة على وحدة المسارين السوري واللبناني، واعتبار الوجود السوري في لبنان جزءًا من وفاء سوريا للبنان ومساندتها في حربه الأهلية وخشية انفراد إسرائيل به ومساندة المقاومة الفلسطينية، مثلما اعتبر اتفاق أوسلو صلحًا منفردًا آخر بعد مصر تجب مقاومته، ولكن الرئيس حافظ تعرَّض لثلاث هزات كبرى:
الأولى هي انهيار الاتحاد السوفيتي، فأصبحت سوريا مطلبًا أمريكيًّا بعد زوال حليفها العالمي ونهاية عصر كانت فيه أوراق سوريا في مواجهة تركيا صالحةً للاستخدام.
وكانت الهزة الكبرى السابقة في الواقع توقيع مصر لاتفاقية السلام مع الصهاينة عقب اللغط الذي دار حول التحالف المصري السوري أثناء حرب التحرير أكتوبر 1973، وربما أدى هذا الموقف المصري إلى المساهمة في تقويض القوة السوفيتية مثلما أربك صانع القرار السوري حول إعادة ترتيب أوراقة؛ بحيث يضطَر إلى معارضة مصر لأول مرة، خلافًا لنمط التحالفات السوري مع مصر الذي وصل يومًا إلى حدِّ الوحدة بين البلدين (58- 1961).
وكانت الهزة الثالثة هي احتلال العراق للكويت وتبعاته المريرة؛ حيث اضطُّرَّ الأسد إلى نقل دعمه لإيران ضد العراق إلى دعم جهود تحرير الكويت من العراق، مدلِّلاً بذلك على أنه يدافع عن الضحية ضد العدوان حتى لو صدر العدوان من دولة عربية، رغم ما تعرضت له سوريا في هذين الموقفين من نقد مرير.
ويمكن القول إجمالاً بأن نمط القرار السوري في عهد الرئيس حافظ الأسد ظلَّ كما هو في عهد الرئيس بشار يتسم بالتحليل والالتزام بالمنطلقات القومية، رغم ما تعرضت له الفكرة القومية بغزو الكويت من ضربات موجعة، غير أن الجديد في صدد المقارنة بين التحديات أمام سوريا في العهدين هو أن سوريا في عهد الرئيس بشار أصبحت في دائرة الاستهداف بالتحديد، ذلك أن سوريا هي رابط التحالف المعادي للكيان الصهيوني الذي يضمُّ إيران من ناحية وكلاًّ من حزب الله وحماس من ناحية أخرى، فعمد الصهاينة ومعهم واشنطن إلى فك هذا التحالف وإحراق الورقة اللبنانية في يد سوريا.
أما السبب المباشر للاستهداف المحدد بالإسم فهو مساندة إيران وسوريا لحزب الله لكي يطرد القوات الصهيونية من جنوب لبنان، ويبدِّد شمل قوات الجيش اللبناني العميلة للصهاينة، وبذلك أنجز الحزب ما عجز مجلس الأمن عن إنجازه بقراره رقم 425 الصادر في نوفمبر 1978، وهو انسحاب الصهاينة من الجنوب، بل إن هذا الانسحاب كان قسريًّا ودون مقابل سياسي بخلاف ما حدث مع مصر، بصرف النظر عن أن الأمم المتحدة اعتبرته انسحابًا إسرائيليًّا طوعيًّا تنفيذًا للقرار المذكور.. هذه الواقعة كانت فاصلةً؛ حيث نظر الكيان وواشنطن إلى الحزب وقوته وطريقة تعامله مع الكيان نظرة الخطر ودبرت لاستئصاله من خلال استهداف سوريا.
كان التطور الثاني هو اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 بعد أسابيع على فشل تسوية كلينتون وبعد أشهر على طرد الكيان من الجنوب، ثم جاء شارون إلى السلطة في فبراير 2001 بسياسته الدموية، وأعقب ذلك أحداث 11 سبتمبر المريرة والتي حقَّقت دمجًا مطلقًا بين السياسة الصهيونية والأمريكية، وتلك أخطر محطات تطور استهداف سوريا؛ حيث أعقبها في نوفمبر 2002 صدور قانون الكونجرس الخاص بمحاسبة سوريا واتهامها بمساندة المنظمات "الإرهابية" أي حماس وحزب الله والجهاد.
أما التطور الرابع فهو احتلال العراق في أبريل 2003؛ حيث أضيف إلى قائمة الاستهداف اتهام سوريا بمساندة المقاومة العراقية والتنديد بالاحتلال، فأصبح اتهام سوريا بمساندة "الإرهاب" الموجّه إلى القوات الأمريكية خطيئةً جديدةً، مثلما اتهمت سوريا بمناهضة العملية السياسية التي بدأتها واشنطن لتثبيت الاحتلال في العراق، وقد أطلع كولن باول الرئيسَ بشار صراحةً على ما تريده واشنطن، وأن يتدبر ما حدث للعراق الأكبر من سوريا، وأن يستخلص الدرس بنفسه، ويبدو أن رفض سوريا للمطالب الأمريكية المباشرة وعرضها التعاون في ضبط الحدود لم يرُق لواشنطن، فتحرّش الكيان الصهيوني بسوريا، تمهيدًا للتطور الخامس في أطوار الاستهداف، وأعني به استصدار قرار مجلس الأمن رقم 1559 في النصف الثاني من سبتمبر 2004م، والذي بدأت به عملية الاستهداف المنظمة الهادفة إلى تحويل ورقة لبنان إلى خنجر ضد سوريا، وتهديد الأمن القومي السوري؛ انطلاقًا من لبنان، خصوصًا بعد أن بدأ الملف النووي الإيراني الذي وجدت فيه إسرائيل وواشنطن سببًا جديدًا لضرب التحالف الرباعي.
والواقع أن القرار 1559 موجَّهٌ إلى الوجود السوري وحزب الله والمخيمات الفلسطينية، فلما استوعبت الساحة اللبنانية هذا القرار الذي يؤرِّخ لشرعية دولية جديدة قوامها صدور قرارات إجماعية من مجلس الأمن ولكن مضمونها يناقض ميثاق الأمم المتحدة كانت المحطة السادسة وهي اغتيال الحريري، وبه تمكن الصهاينة وواشنطن من إعادة الزخم الهادر إلى القرار 1559، وكانت آثاره فوريةً، وأولها الانسحاب الفوري للقوات السورية، وثانيها اعتبار اغتيال الحريري سوطًا للضغط على سوريا بما أحدثه من تداعيات بإنشاء لجنة تقصِّي الحقائق، ثم لجنة التحقيق، ثم إنشاء محكمة ذات طابع دولي.
ولكن القرار 1559 الذي أحيط بكل مظاهر القدسية وانفرد دون سائر القرارات التي يحدثها الصهاينة بتعيين ممثل خاص للأمن العام لتنفيذه وتفسيره، ولقد أحسنت سوريا بالإسراع بالانسحاب من لبنان ولعلها تحسن أيضًا إذا تعاملت مع الساحة اللبنانية بما يوقف التدهور في علاقات سوريا بلبنان، بل ويحوِّل لبنان إلى ساحة لتأمين سوريا، ولكن العدوان الصهيوني في صيف 2006- الذي أسفر عن القرار 1701- لا يزال يتحدَّى سوريا في لبنان بالضغط على حزب الله؛ مما أدى إلى تصاعد الضغوط على سوريا لفصم كل علاقته بحزب الله وإيران، خاصةً بعد تصاعد الصراع الإيراني الأمريكي.
والخلاصة أن لبنان قد أصبح أخطر ساحات التحدي للسياسة الخارجية السورية، وأن انسحاب سوريا كان قرارًا شجاعًا وحكيمًا، كما أن استهداف سوريا سببه في نعتها للسياسات الأمريكية، ولكن الكيان لن يكفَّ عن مطاردة حزب الله، كما أن محاولات استئناس سوريا أو كسرها لن تتوقف، ولذلك فإن تحديات السياسة الخارجية السورية في المرحلة المقبلة يجب دراستُها وتحليلُها وانتهاج دبلوماسية نشطة تجاه العالم، خاصةً العالم العربي، والتحسب لكل التحولات في المنطقة، وأخطر مصير الحوار الإيراني الأمريكي، وتدهور الأوضاع الفلسطينية والحرب الأهلية، والصراع السياسي في لبنان ضد حزب الله وحلفاء سوريا.